top of page

موسى القليبي

  • صورة الكاتب: Habib ouja
    Habib ouja
  • قبل 3 أيام
  • 3 دقيقة قراءة

في خمسينات القرن الماضي والى حدود إلسبعينات، كان السوق فضاء نابضا بالحياة، يضج بالوافدين فتمتزج فيه أصوات الباعة بروائح الأطباق الشعبية من مشاوي ومقليات ولحم فكرون ومرقة فول . لم تكن المطاعم آنذاك مجرد أماكن لتناول الطعام، بل فضاءات اجتماعية واقتصادية صغيرة، تبرز إبداع الطباخين وتمنح كل واحد منهم فرصة ليترك أثره في ذاكرة المكان. ومن بين هذه الأسماء يبرز موسى القليبي الذي جعل من مطعمه محطة مميزة ارتبطت بتاريخ الجزيرة وذاكرتها الجماعية.

اشتهر موسى القليبي في جربة بتخصصه في طبق المقرونة، الذي جعله علامة مميزة في السوق الأسبوعية، حيث كان يقدمه كل اثنين وخميس في مطعمه البسيط في المقر الذي اتخذه والمعروف باسم "تيتا المالطي" الكائن في الممر الضيق الجانبي من نهج بنزرت في اتجاه فندق بركالله.

هذه التجربة لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة مسيرة كفاح طويلة بدأها منذ طفولته حين شدّ الرحال من تزدايين، وهي حومة من حوم جربة تتبع ميدون، إلى العاصمة بحثا عن فرصة عمل، فتوصل بعد تضحيات الى فتح مطعم في باب الجزيرة حيث اكتسب خبرة واسعة في فن الطبخ وإدارة المطاعم.

وعندما عاد سنة 1948 إلى مسقط رأسه جربة، محملا بما جمعه من تجربة،تهافتت عليه العروض من اصحاب المطاعم واختار الاتحاق بمطعم فرانسوا الشهير بحومة السوق (مطعم - حانة) حيث أظهر مهارة لافتة في الطبخ وإتقانا لعدة لغات. قضى سنوات عديدة مع فرانسوا يراقب أحوال السوق ويتابع رواج حرفة الطبخ التي يتقنها، ليصل إلى قرار الاستقلال بمشروع خاص به. فرغم الراحة التي وجدها في عمله مع فرانسوا فقد قرر أن يخوض مغامرته الخاصة، فكان مطعم "المقرونة" مشروعا جند له خبرته السابقة وحظي بتشجيع فرانسوا الذي رأى فيه طباخا قادرا على النجاح.

عاصر موسى خلال مسيرته اجيالا من الطباخين وبائعي الاكلات من اروبيين وعلى راسهم فرانسوا ويهود ومسلمين منهم بكار وبكير وسالم الاسود وسعد الملح والبشير النجار.

لم تقتصر مواهب موسى على الطبخ، فقد كان أيضا بحارا وبنّاء، وأبدع في صناعات تقليدية متعددة، أبرزها صناعة المظلات السعفية ذات السطح الهرمي التي عرفت باسم ضلّالة_موسى، حتى صار يضرب بها المثل في جهة ميدون: "اللّي ما لبستش ضلالة موسى تموت محموصة". كما صنع الصابون الصحي من خلطة الغاسول، ويظهر أنه لم يكن يضيع وقته خلال بقية أيام الأسبوع التي يغلق فيها مطعمه، وهو ما يؤكد مكانته كرجل مُجِدّ ومتعدد المهارات.

وتروى حوله شهادات عائلية استحضرها "ابنه" السيد كريم القليبي وهو شخصية فنية لها مكانتها في جربة وتفيد روايته باتساع شهرة والده موسى كطباخ ماهر أوصلته لمقابلة عديد الشخصيات السياسية في البلاد وحصوله على عديد شهادات التقدير، كما تتداول بعض الروايات أنه استثمر في مجالات متعددة من مطاعم وعقارات وتجارة الجلود والصوف وتربية الأبقار جمع منها ثروة مهمة اختفت في ظروف غامضة حسب المصادر التي استقيتها وكلها من محيط ورثته. وفي سياق هذه الروايات العائلية حول مشاريعه الكبرى، يذكر أيضا انه شغل معه في تدوير وتجارة الجلود "صُنّاعا" من عائلات معروفة في حومة السوق ما لبثوا ان اصبحوا لاحقا من كبار المستثمرين في هذا التخصص، وهو ما يعكس تأثيره المهم ان تأكد في محيطه الاقتصادي والاجتماعي . ومن بين الأملاك التي تنسب إليه سانية_المريمي، التي تضم اليوم مؤسسات عمومية (منطقة الامن وروضة الاطفال) وتذكر هذه الروايات أن الدولة صادرت ذلك العقار للمصلحة العامة مقابل وعد بتعويض قدّرته آنذاك بأربعمائة دينار، لم ينل منها في حياته ولا ورثته مليما واحدا بعد وفاته.

ومن الموضوعية التنويه انه بخصوص الثروة والمشاريع الكبرى، فإن ما يروى داخل عائلة موسى القليبي يظل جزء من الذاكرة الشفوية التي تحتاج إلى مزيد من التثبّت والتوثيق، خاصة وان بعض التفاصيل عن الإرث ومصيره لم تحسم بشكل واضح. ويضاف إلى ذلك أن إتقان موسى للحرف والصناعات التقليدية، رغم شهرته في المظلات والصابون، يبقى بدوره محاطا بقدر من الغموض الذي يزيد من فرادة شخصيته ويجعل سيرته مجالا للتأمل أكثر من أن تؤخذ كوقائع رسمية.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page