top of page

سالم بن يحي الباسي: سيرة وجامع

  • صورة الكاتب: Habib ouja
    Habib ouja
  • قبل 7 أيام
  • 3 دقيقة قراءة

يعتبر سالم بن الحاج يحيى الباسي أحد أبرز اعلام الجزيرة فقد أسهم في تأسيس جامع تحول الى منارة علمية وروحية عبر القرون.

ولد سالم الباسي في إسطنبول في عائلة جربية حوالي سنة 1747ميلادي (1160هجري) ونشأ في بيئة علمية وتجارية مزدهرة.

حفظ القرآن في طفولته ثم تفرغ في شبابه لدراسة الفقه والعلوم الشرعية وفي نفس الوقت ظهر شغفه بعلم الطب والصيدلة فتعمق فيهما وابدى نبوغا لافتا خلال دراسته لهما توجها سنة 1796 ميلادي بتأليف كتاب موسوعي اختار له عنوان "زهرة البستان في علم الأبدان" تأكيدا لاهتمامه بالجانب العملي للمعرفة الطبية إلى جانب تخصصه الفقهي.

رجع خلال مرحلة من حياته للعيش في الايالة التونسية متنقلا بين الحاضرة (العاصمة) وجربة موطن اجداده قبل أن يعود إلى إسطنبول.

اسس سالم جامع الباسي بوالغ بجربة ثم أنشأ المدرسة الملحقة بالجامع وجهزها بغرف للدرس والمبيت، وأوقف لها مكتبة عامرة بالمخطوطات النفيسة في الفقه والحديث والنحو والعلوم العقلية. كما وضع زماما دقيقا لجرد الأملاك والأحباس، وهو ما يكشف حسّه التنظيمي وحرصه على حفظ موارد الجامع.

جامع الباسي لم يكن مجرد فضاء للعبادة، بل مؤسسة دينية وثقافية متكاملة اعتبرت عبر القرون أحد أبرز معالم جزيرة جربة، جمعت بين الوظيفة الروحية والدور المعرفي والاجتماعي، لتصبح مركز إشعاع علمي ومكتبة مفتوحة أمام الباحثين والدارسين. إنّ نظام الأوقاف الذي طبقه المؤسسون والذي ضمن موارد ثابتة لتسيير الجامع والمدرسة، يعكس رؤية متقدمة في إدارة المؤسسات الدينية والعلمية، ويؤكد أن الجامع كان منذ البداية مشروعا جماعيا يخدم المجتمع بأسره.

رغم أن سالم كان الشخصية الأبرز في تأسيس الجامع، فإن أخاه عثمان شاركه في بناء المكتبة وإثرائها بالمخطوطات وساعد على إدارتها. هذا التعاون بين الاخوين منح المؤسسة بعدا جماعيا ساهم في تحوّل الجامع إلى مركز إشعاع علمي واجتماعي يجمع بين العبادة والدراسة والتوثيق. التكامل بين الفكر الموسوعي لسالم واليد العملية لعثمان جعل من تجربتهما نموذجا فريدا للعائلة الجربية التي امتزج فيها العلم بالدين والتجارة، وترك بصمة ثقافية واجتماعية ظلت حاضرة من خلال الجامع ومكتبته ومخطوطاته.


من أبرز إنجازات سالم العلمية فهرسة المخطوطات الشرعية والفقهية وخصوصا في فقه القضاء، كما اثث مكتبة الجامع باقتناء كتب نادرة مثل رحلة ابن بطوطة وكتاب "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب" للإمام أبي العباس الونشريسي (تـ 914 هـ) اضافة الى وضع تحبيسات دقيقة على الكتب والعقارات (ضبط شروط الوقف بدقة بحيث تخصّص مداخيل بعض الأَحباس حصريا لشراء الكتب وصيانتها وللمحافظة على العقار الموقوف وإصلاحه) لضمان استفادة الجامع والمدرسة مثل "تحبيسة الرخامة" التي تحدد كيفية التصرف في غلة الأوقاف، مما يعكس وعيه القانوني والإداري.

كل هذه الانجازات تجعل من الباحثين يقرون ان جامع الباسي بوالغ هو ثمرة جهوده وجهود إخيه ومكتبة الباسيين شاهد حي على عطائه العلمي.


بعد قرون، يواصل الحفيد المنجي حمل مشعل العائلة في الحفاظ على إشعاع جامع الباسي. من خلال نشاطه الثقافي وتوثيقه للتحولات الاجتماعية بجربة، يسعى إلى إبراز قيمة هذا المعلم التاريخي في وجه حملات التشكيك التي تتهمه بالرغبة في وضع اليد على ممتلك عمومي ،غير أن مساره الثقافي، القائم على التوثيق والبحث الأكاديمي يؤكد أن هدفه هو تثمين التراث والحفاظ على الذاكرة الجماعية وليس تحويل صبغة المعلم . فقد عمل على إعادة الاعتبار لمكتبة الجامع ونفض الغبار عن مخطوطاتها في شتى العلوم وهو بصدد إنجاز مشروع رائد يتمثل في إحداث جناح متحفي مخصص لإرث المعلم دون قطيعة مع وظيفته الأصلية تعزيزا لأهميته وربطه بجذوره التاريخية.


إنّ الادعاءات التي تندد بانفراد العائلة الباسية بتسيير الجامع أو تسعى لفرض حصار على مشاريع السيد المنجي، تتجاهل حقيقة تاريخية موثقة وهي ان الجامع منذ تأسيسه كان مشروعا مجتمعيا، حبّس عليه المؤسسون العقارات والزياتين والكتب لصالح المصلين والطلبة . فالمبادرات التي يقودها المنجي اليوم ليست استحواذا على ملك مشترك، بل امتداد طبيعي لرؤية الأجداد في خدمة العلم والدين والمجتمع رغم كل محاولات التشكيك أو التضييق.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page