
الصادق يامون يروي جربة
- Habib ouja
- 4 ديسمبر 2025
- 4 دقيقة قراءة
جربة ذاكرة حيّة تختزن وجوها وأحداثا صنعت تاريخها. ومن بين أبنائها يبرز الصادق يامون، الذي حمل طفولة البحر والزيتون في قلبه، وروى تحوّلات الجزيرة بين الرغد والتهميش. سيرته ليست حكاية فرد، بل شهادة على زمن بأكمله.
الصادق يامون، ابن فاتو، واحد من أبناء جربة الذين حملوا ذاكرة الجزيرة في وجدانهم، ونسجوا من تفاصيل طفولتهم صورة كاملة عن زمن كان فيه الناس يقدسون العلم والعمل باعتبار ان كل واحد منها عبادة. رجل له مكانته في جربة، متيم بحبها بكل أرجائها ومكوناتها، لكنه يحمل في قلبه حسرة على ما شهدته من تهميش وتخريب على مدار العقود. ولد في اربعينات القرن الماضي (1946)، ودرس في collège moyen بحومة السوق، في مبناه الذي صار لاحقا مقر المركز النموذجي للتكوين في الطاقة والتبريد. منذ صغره كان مولعا بالجلوس أمام برج الغازي مصطفى، وقد أصر أن يكون اجتماعنا هناك، كأن البرج كان مرآة لخياله، شاهدا على مرحلة عزيزة من حياته لم يعد يجد له اثرا .
يسترجع عم الصادق ذكريات المكان البعيدة ،يسرح بنظره بعيدا ثم يقول : "في يوم من أيام الطفولة، جرف البحر جماجم بشرية، وكنت حينها متواجدا في نفس المكان، فأخذت واحدة منها واعطيتها لمدرسي الذي اتخذ منها وسيلة تعليمية في دروس العلوم الطبيعية". جدّه، وهو يقتبس تفسيرا من ذاكرة الأجداد، ربط الحادثة بمعركة العثمانيين والإسبان سنة 1560، مؤكدا أن قتلى الإسبان دفنوا في مقبرة واسعة بين مخزن العسة بسيدي زايد وسيدي سالم. غير أن الروايات التاريخية الموثقة تذهب إلى أن العثمانيين جمعوا تلك الجماجم وشيدوا بها برجا سمي "برج الجماجم"، ظل قائما لقرون في المساحة المقابلة لمارينا جربة اليوم ، قبل أن يزال في عهد أحمد باي تحت ضغط القناصل الأوروبيين، ويعوّض لاحقا بنصب تذكاري ما يزال شاهدا على الحدث.
على الجانب الغربي من البرج توجد فسقية عظيمة كانت تتحول أحيانا إلى ركح مسرحي مثلما حدث حين عرضت فرقة فرنسية مسرحية Le Cid لكورناي.
خيرات البحر في تلك الفترة "بالكدس" كما يقول عم الصادق، في إشارة إلى كثرة المنتوج البحري، والمداس ينشر على الضريع. وعلى امتداد الأفق كانت الزرايب، ومنها زربة الجد قرب البرج، حيث كان الصادق يرافقه لتفقدها، فيتركه في الفلوكة أمام البرج حتى يخرجها عند الملية، وأحيانا عند الإبحار كان يكلفه بشدان الدمان أي قيادة القارب وتبديل الاتجاه. مقابل تلك المساعدة كان يكافؤه بكسكروت من عند رشيد بطيخ بجانب فندق المرحلة، حيث كان العائلة تملك في احد الفنادق المجاورة غرفة مخصصة لراحة أفرادها عند التواجد في السوق.
كما يتذكر عم الصادق الهردوب أمام سيدي زايد، وهو عبارة عن بحيرة شاطئية مستقلة عن البحر، ذات نسيم عليل يجعلها وجهة مفضلة للعائلات في أيام القيظ.
كانت جربة آنذاك في رغد: الكتاب في يد، والمحراث في يد أخرى، العلم والعمل كلاهما عبادة. الأطفال يتعلمون في الكتاتيب والمدارس، والكبار في الجوامع، والجميع يد واحدة في خدمة الأرض.
آمن عم الصادق بقاعدة تربوية فطرية تبنتها لاحقا النظريات الحديثة: تعليم الأطفال وهم يلعبون، أو كما يسميه "اللعب الإنتاجي". في الخامسة من عمره كان يرافق العائلة إلى حوازة الحارة الصغيرة لجني الزيتون، فتمنحه أمه علبة طماطم فارغة وتشجعه على جمع الحبات الطائشة، ثم يبيع والده الكمية التي جمعها ويدخر المال ليوم عرفة وهو اليوم السابق للعيد يمثل مناسبة ينتظها الاطفال بشغف للتسوق ، حيث يشتري كسكروت أو سندال. كان التنقل إلى العرفة على الأقدام، وعند العودة يتوقف الأطفال عند جادة الزليطني، أرض رملية، ليتشابكوا في نزالات "قراش" حتى حدود الإرهاق. وإذا غضب أحد الآباء من شجار ابنه، يجيبه الطفل بعفوية: "يا بابا راهو قراش موش نَغْرِيَّهْ". وكانت المقاهي محجورة على الصغار، لكنهم كانوا لا يفوتون فرصة التواجد في السوق دون المرور بمقهى الطاهر بن دعماش حيث يجلس آباؤهم لاستراق النظر والتعرف على المتواجدين فيها من أهل الحومة
تمرس الصادق منذ طفولته بكل أعمال الجدود : البحر، النخلة، الدلو والرشا (البكرة التي تلف الحبل).
في الستينات أكمل الصادق دراسته الثانوية وانتقل إلى العاصمة حيث اندمج بسرعة واكتسب صداقات من مختلف الجهات. نظم التلاميذ رحلة إلى الجزيرة فاكتشفوا جمالها وطيبة أهلها، وأكثر ما شدّهم إفشاء الجرابة للسلام حتى دون سابق معرفة.
اهل الجزيرة كانوا محافظين ولكن حياتهم لم تكن تخلو كغيرهم من اللهو: جميع أهلها يحبون اللاقمي، يشربونه قبل أن يصبح مسكرا، وبعض الحوكية يتفننون في شربه حتى الثمالة. أما "المتفح"، بداية تخمره، فكان يعطى للأطفال لتسهيل الهضم ومعالجة أوجاع البطن.
يروي الصادق طرفة مع أقرانه، منهم فرحات يامون رجل المسرح المشهور، حين نالت أيديهم عْبَيّْرَة لاقمي قارص خرجوا به للجنانات، وبعد جلسة مطولة أتوا فيها على كل الكمية عادوا عند الغروب يترنحون نحو منازلهم، ونجوا جميعا إلا واحدا منهم اسمه يونس الذي قضى ليلته في الصرد. كما يذكر حادثة في أحد أعراس الحومة، حيث كان يطسمح للأطفال بحضور السهرية مطلع الليل وتتضمن ختمة قرآن ودروسا وعظية، لكن يمنع عليهم آخر الليل الاقتراب من مكان الزهو. خرج الصادق متسللا بعد إطفاء اللمبارة في بيته، قاصدا الزهو على ضوء بعيد، فاتخذ ركنا خفيا للاستمتاع بالسهرة، لكنه أصيب بخيبة من سلوك بعض الرجال المحترمين وقد أخذهم السكر، فكان ذلك درسًا لازمه بقية حياته.
حفلات الزواج كانت مناسبة كبرى، يجتمع فيها الأقارب من كل أنحاء الجزيرة، ويتحول مخزن الضياف إلى خلية تعج بالحركة يقيم فيها الزائرون ويحرم على أبناء العائلة. وخلال الاحتفالات يطلق البارود طيلة الأيام، خصوصا يوم الحمام حيث يخرج العريس إلى حمام البارودي عشية، مرورا بالحلاق بطيخ حيث يحلق للعريس وأهله، ثم يعودون للعشاء وتنظم ختمة قرآن.
لكن مسيرة الصادق لم تكن معزولة عن التحولات الاقتصادية والسياسية. تجربة التعاضد أنهكت أهالي جربة، إذ صودرت دكان والده في العطارين فعاد إلى الجزيرة. ومع ذلك، يذكر أن جربة وحتى في احلك فترات البلاد كانت تتدبر امورها داخليا فحتى خلال أزمة الأربعينات، اثناء الحرب وما بعدها، لم تعان مثل بقية البلاد من المجاعة، إذ كانت مخازنها مليئة بالمؤونة. واليوم، بعد عقود من التهميش والتخريب، يأمل عم الصادق في إعادة الاعتبار للجزيرة بتمكينها من حقها في الارتقاء إداريا إلى مرتبة الولاية ، والقضاء على عوامل التخريب التي أنهكتها، وعلى رأسها كما جاء على لسانه السياحة التي قضت على تماسك المجتمع وساهمت في انحراف الاخلاق واثرت على البنية المعمارية للجزيرة هذا الى جانب غياب الرؤية العادلة التي تحفظ لجربة مكانتها وتاريخها.
.



تعليقات