
جربة والماء: بين شحّ الطبيعة وعبقرية التكيّف
- Habib ouja
- 15 مارس
- 2 دقيقة قراءة
الماء ليس مجرد مورد طبيعي في جزيرة جربة بل هو قلب الحياة اليومية وركيزة المعمار التقليدي.
تنتمي جزيرة جربة إلى نطاق مطري شبه جاف وتشكو من ضعف المعدل السنوي للتساقطات الذي لا يتجاوز 250 مليمتر، أي قرابة نصف المعدل الوطني (400 مليمتر). وقد دفعت هذه الظروف الطبيعية القاسية الأهالي إلى ابتكار أنظمة ذكية لتجميع مياه الأمطار وتخزينها، أبرزها الفسقية وهي عبارة عن صهريج تحت الأرض يتغذى من أسطح المنازل عبر قنوات دقيقة التصميم. هذه التقنية التي تعود جذورها إلى العهد الروماني وربما قبل ذلك حسب بعض الدراسات وتطورت عبر العصور الإسلامية، ما تزال شاهدة على قدرة الإنسان على التكيّف مع بيئته.

تمثل الفسقية عنصرا من منظومة مائية متكاملة تضم كذلك الآبار التي تحفر بأعماق متفاوتة تبعًا لقرب الماء.
تتميز آبار جربة بمعمار خاص يجمع بين عناصر وظيفية دقيقة تتمثل في جناحين صغيرين وبكرة يسحب بها الدلو والجابية التي تستقبل الماء المستخرج من البئر قبل توزيعه على الأراضي المزروعة.

ويأتي دور "الساروت" الذي ينقل الماء عبر قنوات حجرية مرصوفة نحو المغروسات، فيكتمل بذلك نظام توزيع المياه التقليدي الذي يعكس خبرة الاسلاف وابتكاراتهم في خدمة الفلاحة

هذا التكامل جعل المعمار نفسه أداة لإدارة المياه، حيث صُممت الأسطح المسطحة لتوجيه مياه الأمطار النادرة نحو الفساقي في انسجام بين البنية المعمارية والوظيفة البيئية.
ارتباط الماء بالمجتمع انعكس أيضا على الاستقرار السكاني. فعندما تغيّرت طبيعة المياه من العذوبة إلى الملوحة، تأثرت حركة السكان والتعمير بشكل مباشر فبعض المناطق شهدت تقلصا في النشاط الزراعي أو إخلاء سكانيا نسبيا مثل غيزن بينما ازدهرت أخرى مثل صدغيان فتحول الماء الى عامل محدد لمواضع السكن ولشبكات العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
مع مرور الزمن واجهت هذه الأنظمة التقليدية تحديات عديدة، من تدهور البنى التراثية نتيجة الإهمال وضغط العمران الحديث إلى تملّح المياه الذي قلّص صلاحيتها للاستهلاك والزراعة اضافة الى تراجع الاعتماد عليها أمام شبكات المياه الحديثة. كما أثرت عوامل أخرى في هذه المنظومة المائية وظيفيا ومعماريا مثل تقلص المجال الفلاحي بفعل زحف المجال السياحي وتحول النمط المعماري من المنزل المتكامل المرافق إلى المباني العصرية المعدة للكراء والتي تستنبط أساليب مستحدثة لتأمين الحاجيات المائية ووسائل صرفها إضافة إلى استنزاف المخزون الطبيعي للماء بسبب تزايد الحفر العشوائي وغير المراقب وخاصة السونداج.
إن إدراج الفساقي ضمن برامج حماية التراث وربطها بمشاريع الاستدامة يفتح آفاقا واعدة حيث تتحوّل هذه المعرفة التقليدية إلى رصيد عملي للتكيّف مع تغيّر المناخ وتعزيز الأمن المائي. وهكذا يظل الماء في جربة شاهدا على إبداع الإنسان وقدرته على تحويل الندرة إلى منهج حياة متفرّد. من هنا تأتي الدعوة إلى نشر هذه التجربة وإحيائها في مناطق أخرى لتكون مصدر إلهام وحلول طبيعية للأجيال القادمة.



تعليقات