top of page

من ذاكرة قدور : احتفالات حومة السوق في الخمسينات والستينات

هذا النص حلقة جديدة من شهادة عبد القادر غزيل حول حومة السوق بين الخمسينات والسبعينات ، فيها يستعيد تفاصيل المولدية والعيساوية والسلامية وما ارتبط بها من طقوس وخرافات وأجواء دينية واجتماعية.


نشأت أول فرقة مولدية في حومة السوق، وهي فرقة تاوريت التي أسسها عبد المجيد الزليطني وضمت محمد الرايس، محمد النجار، حسونة البلاغجي، محمد الزيادي، مختار دريرة، وحمد دحسة. ثم تأسست فرقة بلطيف التابعة لجامع الغرباء، وكان منطلقها جماعة يجتمعون مساء الخميس في مخزن ضياف بلطيف بحومة الزاوية لإنشاد حزب اللطيف. هناك طرح محمد الشاهد الذي كان يمتلك كتاب قصائد المدائح النبوية فكرة إنشاء فرقة مولدية. لاحقا انتقل الاجتماع إلى مخزن ضياف عائلة الطاهر بالحاج في الحومة نفسها. كان مُقَدِّم الفرقة لطيف بلطيف ثم فوض الإشراف عليها لصهره محمد بن حامد وضمت المجموعة الطيب بن حامد والطيب بلعوط (الناصر)، ومعهم قدور غزيل وهو في الخامسة عشرة من عمره.

وعندما انتقل مقدم الفرقة إلى العاصمة سلم كراس القصائد لمحمد عنان، الذي استعمله لعقد مجلس ذكر ضم عبد الله عنان، محفوظ المجبري، محمد زريعة، إبراهيم والجيلاني بلعوط (الناصر)، رشيد المديهين، ولطيف الحمداني. انضم إليهم عبد القادر غزيل منتقلا من فرقة بن حامد.

في تلك الفترة برز الصادق حنيني بجمال خطه، فأٌعطي كراسات القصائد لينقلها بخط أوضح، فكتب نسخة ثانية لنفسه ليؤسس لاحقا فرقة مولدية بحومته بركوك مقدمها محمد بن يوسف.

وأثناء التوسعة الأولى لجامع الجديد تأسست فرقة مولدية جديدة من عناصر حومة الزاوية من عائلات الطرابلسي والقابسي، والتحق بها عبد القادر غزيل صاحب التجربة. كانت تنشط في البداية في قبة جامع الجديد ثم انتقلت إلى سيدي عبد اللطيف، وكانت مداخيل العرابين تحول إلى ميزانية بناء الجامع الأول ثم الثاني.

مع مرور الزمن انحلت معظم الفرق لقلة الإقبال على دعوتها في المناسبات الدينية وحفلات الزواج، ولم تصمد إلا فرقة حومة الزاوية الأخيرة التي لا تزال تجتمع في مناسبات قليلة. وكان التنافس بين الفرق يقوم على امتلاك كراريس القصائد، ومن الطرائف أن تنظيم حلقة مولدية في جامع الغرباء ليلة السابع والعشرين من رمضان ارتبط باشكال حول تملك كراريس القصائد انتهى بتدخل الطيب بن عبد الله لدى المعتمد باعتباره موظفا في المعتمدية.


أما العيساوية، وهي فرقة عروض صوفية، فقد ارتبطت بزاوية سيدي بن عيسى، وكان محمود قروز والد المرحوم الطاهر مقدم الحضرة. كانت احتفالاتها بالمولد الشريف تتواصل سبعة أيام وليالي كاملة، وتضمنت عروضها ضرب السيف والقزاز والمسامير. وقد كانت إرثا يتناقله الأبناء والأقارب، واشتهرت عائلة بن حدادة بتوارثها عن صهرهم محمود قروز.

نسجت حول عناصر العيساوية في حومة السوق والطريقة عامة خرافات نسبت إليها خوارق منها أن أحد أفرادها رأى في المنام جده بن عيسى فقرر زيارته في مكناس، لكن فارسا غريبا اثناه عن مواصلة الطريق، فعاد ليخبره جده في الحلم أنه أورثه الطريقة. فجمع رفاقه وتوجهوا إلى صدغيان للعرض أمام القايد بن عياد، وما إن بدأوا حتى تساقطت أشجار الزيتون وتشققت أقواس القصر، فخرج القايد ليكرمهم ويطلب كف الأذى. كما تتناقل الخرافة أنهم زاروا الباي في باردو، وكان أبرز عروضهم ابتلاع المسامير الذي أبهر الباي فكرّمهم بترخيص رسمي للعروض.

ومن الطرائف أيضا أن أحد العيساوية من مليتة من عائلة السويسي، وكان سيافا يقدم عرض شق البطن بالسيف، دخل في هستيريا وضرب نفسه حتى خرجت أحشاؤه بين يديه. ظن أصحابه أنه مات فوضعوه في تابوت، غير أن السلطات التي بحثت عن الجثة وجدته يحتسي القهوة في السوق.

كانت عروض العيساوية الخطرة يرافقها عزف على آلة الزكرة والدربوكة بإيقاع يدخل العيساوي وحتى الحضور في حالة تخمّر. وكان الزكار الأكثر مهارة عنان المليتي الذي أتقن كل أدوار الحضرة، فيما أدى حسن بلعوط الدربوكة، وشارك حبيب بلعوط، سالم الرجباني، وحسين الحاج حسن (زويو) في عروض حضرة بن عيسى.

كانت شؤون زاوية بن عيسى تحت اشراف محمد الرجباني وكانت مزارا يقصده الأهالي ويضعون النقود في شباكها، وتروي الخرافة أن من سرقها تحولت بين يديه إلى عقارب..


أما السلامية فكانت صنفا آخر من العرض، وهي عبارة عن أناشيد صوفية للمدائح والأذكار ترافقها إيقاعات على آلات موسيقية أبرزها البندير والزكرة، مع حركات اهتزاز وتمايل تشبه الرقص، تنتهي بحالات تخمّر.


هكذا كانت حومة السوق في المناسبات الدينية خلال الخمسينات، حيث امتزجت المولدية والعيساوية والسلامية في نسيج واحد يجمع الذكر الصوفي بالفرجة الشعبية، وتداخلت القصائد والطبول مع الأساطير والخرافات لتصنع ذاكرة جماعية. وفي قلب هذه الذاكرة ظل عبد القادر غزيل حاضرا منذ شبابه حتى تجاوز التسعين من عمره، وقد قضى خمسة وسبعين سنة كاملة في خدمة هذه الفرق، ليكون شاهدا على مرحلة فريدة من تاريخ الحومة وروحها.















 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page