top of page

منطقة الشراع بالجوامع بين الامس واليوم



لا أحد كان يتوقع أن تتحول جهة الشراع التابعة لحومة الجوامع إلى مركز ثقل خدماتي وإداري في قلب حومة السوق.

حتى السبعينات لم تكن سوى منطقة حزامية على تخوم سوق جربة بملامح ريفية لا أكثر . طريق وحيد يشقها نحو أجيم وعلى جانبه حنفية عمومية (سبّالة الحاكم ) في زمن لم تصل فيه شبكة مياه "السوناد" إلى البيوت. تلك الحنفية كانت نقطة حياة يومية يقصدها القريب والبعيد لتأمين حاجاته الأساسية.

من جهة الغرب كانت آثار معصرة تحت الأرض تعرف بـ"معصرة رمادة" من يشاهدها من بعيد يعتقد انها داموس . هذه المعصرة ظلت قائمة لعقود طويلة تثير الرهبة في نفوس الناس يتفادى الجميع الاقتراب منها كبارا وصغارا بسبب ما نسج حولها من قصص مخيفة. لاحقا انتقلت ملكية ارضها إلى شركة "موبلاتاكس" قبل أن تتم مصادرتها بعد الثورة من ضمن ممتلكات الشركة المفلسة ليقيم عليها مالكها الجديد مؤخرا مبنى ضخما عبارة عن مركب من المحلات المعدة للاستغلال التجاري منها المقر الجديد لبنك الزيتونة. كنا نمر غير بعيد عنها في طريقنا إلى مدرسة جامع الجديد، نسلك دروب الغيّازي (الرمال المتراكمة التي تغوص فيها الارجل ) دون أن نتجرأ حتى على النظر نحوها.

من الشرق، امتد "حوش لِقْرِلٌّو" الذي كانت تقاسمته عائلات عديدة بالسكن منها عائلة الهادي الحامي المشهور بحجامة النخيل وبيع اللاقمي ، فيما كانت المساحة المقابلة فضاء عموميا قبل أن تصبح ملكا لحبيب عنان الذي أقام عليها لاحقاً بناء مشتركا مع بن يونس، يضم اليوم محلات عديد منها معد للأكلات الخفيفة وصيدلية الليل.

جنوبا، نحو طريق أجيم كان "جنان راجح" يفتح واجهاته على طريقَيْْ أجيم والحارة، ملكية مشتركة لعائلة راجح قبل أن تنتقل إلى المرحوم ضو لملوم، الذي أقام فيه نزلا ومقهى وباع جزء كبيرا منه. غير بعيد عن طابية الجنان، كانت "زيتونة الغولة" قائمة على الطريق المؤدي إلى الحارة، تحيط بها خرافات الطفولة عن العباثة التي تطارد المارين والقتيل المزعوم في معصرة رمادة .حكايات كانت تبث الرهبة في النفوس.

وعلى الطريق ذاته، امتدت "سانية المانع" ملكا لعائلة عنان قبل أن تنتقل بعد الثورة إلى عائلة اللجمي. أرض شاسعة كانت ملعبا لنا أطفال الحومة، نملؤها صخبا ونحن نطارد الكرة طوال النهار في العطل، وعشية حتى الغروب في الأيام العادية. وفي ليالي الصيف، كانت تحتضن المحافل والأعراس. قبالتها أرض واسعة لعائلة بالراجح تتوسطها فسقية مدهشة الاتساع وعلى طرفها "حوش" المرحوم المربي عمر بالراجح.

بين سانية المانع وأرض بالراجح، طريق ترابية مهيأة قبل أن تعبد لاحقا، تتجه نحو الحارة الكبيرة، شاهدة على بدايات التحول العمراني.

لم يكن المكان مزدحما كما هو اليوم. كنا نستمتع بالساعات الطويلة بِعَدِّ السيارات القليلة التي تمر دون خوف من السرعة أو من سلوكيات المعربدين في آخر الليل. عابر الطريق على دراجته أو قدميه لم يكن بحاجة إلى انتظار طويل ليأخذ مكانه في الطريق.

أما اليوم فقد تبدلت الصورة تماما. جهة الشراع لم تعد تلك المنطقة الحزامية البسيطة، بل غدت قلبا نابضا بالحركة، تحتضن أغلب المؤسسات العمومية في حومة السوق، وتضم مرافق ومحلات حديثة. بين الأمس واليوم، تختزل جهة الشراع قصة تحول عميق وسريع، من فضاء هامشي إلى مركز حضري متكامل يعكس ديناميكية جربة الحديثة.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page