top of page

الطاهر قروز : خضّار جمع بين التجارة والقيم

  • صورة الكاتب: Habib ouja
    Habib ouja
  • قبل يومين
  • 2 دقيقة قراءة

عم الطاهر قروز من مواليد سنة 1913 شخصية بارزة في حومة السوق بجربة، يحظى باحترام وتقدير الجميع، قريبا كان أو بعيدا.

تنقّل في بدايات مسيرته بين أنشطة متعددة ،من بيع الفطائر والسمك والبيض والزرارع وأتقنها جميعا، غير أن استقراره في تجارة الخضر كان المحطة الأبرز التي رسخت اسمه في ذاكرة حومة السوق وجزيرة جربة بأكملها، حيث اشتهر بصفته خضّارا. غير أن هذه الصفة تجاوزت حدود المهنة لتتحول إلى هوية إنسانية واجتماعية جعلته محل تقدير الجميع.

كان صاحب نصبة في السوق المركزية، يكرم الحرفاء بأجود البضاعة حتى صار المزود الأسبوعي لأعيان حومة السوق. لم يكن مجرد تاجر يسعى وراء الربح، بل كان كريما يجود على أصحاب الحاجات بما يطلبونه مهما غلا ثمنه وحين كان أبناؤه ينبهونه إلى الخسائر، كان يرد بجملته الشهيرة: "المال وسخ الدنيا"، معبّرا عن فلسفته في الحياة التي ترى في المال وسيلة لا غاية.

ظل منحازا دوما لمنتوج فلاّحة الجزيرة : العنب والمعدنوس وخاصة التفاح الجربي الذي كان يبعث بكميات منه إلى العاصمة للتعريف بجودته وترويجه طيلة السبعينات. لم ينقطع عن السفر بنفسه لعقد الصفقات وجلب البضائع وكانت له طرائف يرويها من رحلاته، منها حادثة العاصفة التي ابتلع فيها البحر "البصل والبطاطا"، فحوّل الخسارة إلى طرفة بروح الدعابة.

كان بائع الخضر الذي لا يرد محتاجا ، يفتح منزله للجيران ويزودهم بالخضر دون مقابل. اشتهر بتعففه وكرمه، واعتبر خدمة العائلة والجيران واجبا لا منّة فيه. ظل سندا لأخواته البنات وركيزة للعائلة الموسعة، محافظا على "حوش الجدود، "حوش الطبل" رغم النزاعات والعروض المغرية، ورفض بيعه أو استغلال حجارة الجزء المنهار منه في بناء منزله الخاص. صبر على غدر البعض وشهادة الزور، مبتعدا عن خصومات كان واثقا من كسبها بالقانون.

لكن هذه المناكفات كانت تهز دواخل نفسيته التي أنهكها مصابه الجلل في وفاة ابنه علي يوم غرة جانفي 1971. ورغم آلامه وهمومه التي لم يكن يظهرها، ظل يقدّس العمل ويقضي وقته في نصبته، يغادر البيت فجرا وأبناؤه نيام ليعود في ظلمة الليل. حتى أن أصغر أبنائه، عبد اللطيف، أنكره ذات يوم حين رآه في غير وقت تواجده المعتاد بالمنزل.


إلى جانب نشاطه المهني والاجتماعي، كانت لعم الطاهر علاقة وثيقة بالسياسة. فقد ذكره المرحوم حمادي اللواتي في كتابه كأحد أوائل المنخرطين في شعبة الحزب الحر الدستوري التونسي بحومة السوق. استقبل مخزنه ذات مرة الشهيد فرحات حشاد خلال زيارته السرية إلى جربة لاجتماع بالمناضلين، وكان مخزنه حينها قبالة مقهى بن يدر. كما خاطر بتقديم خدمات للزعيم بورقيبة عند نفيه بفندق "العريشة" رغم تضييق سلطات الاحتلال.


انحاز إلى صالح بن يوسف في صراعه مع بورقيبة، وحزن حزنا شديدا عند اغتياله، حتى قرر مع صديقه البشير بوعجيلة إعلان الحداد لسنوات طويلة. رفض أي تكريم أو منفعة من الحزب رغم إلحاح عبد المجيد القاضي عليه بالتحول إلى تونس للمطالبة برخصة كبقية المناضلين، وكان جوابه: "لا حاجة لي بهدايا من قتلة بن يوسف". وفي عزاء زوجته، اكتشف الحبيب بن محمود، معتمد حومة السوق حينها، أن الطاهر قروز مناضل صاحب تاريخ طويل لم ينل حظه من التكريم، خلافا لبعض المتسلقين الذين كانوا أبواقا للمستعمر ثم لبسوا ثوب المناضلين بعد الاستقلال.

كانت شهرته كبائع خضر شهرة إنسانية وقيمية قبل أن تكون مهنية. فقد جمع بين التجارة والكرم، بين السوق والنضال، وبين العمل اليومي والوفاء للمبادئ. لذلك ظل اسمه محفورا في ذاكرة حومة السوق، لا كتاجر فحسب، بل كرمز للنبل والإنسانية.

رحل عن الدنيا سنة 2006 لكنه خلد اسمه بسمعة ناصعة اورثها ابناءه عبد الحميد والصادق وعبد الفتاح وعبد اللطيف.

رحمه الله


 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page