top of page

مربٍٍّ من جيل البناء

المرحوم عمر بن الطيب بالراجح ولد سنة 1920 وتوفي سنة 1985، هو واحد من أعلام التربية في جربة ومن أبرز عناصر الجيل الذهبي للمدرسة التونسية، الذي حمل على عاتقه مهمة البناء والتأسيس بعد الاستقلال.

كان مربيا شغوفا بمهنته، عاش لها وأخلص لها حتى غدت جزء من شخصيته، وقد امتدت مسيرته التربوية على امتداد 37 سنة كاملة من الالتزام برسالته التعليمية لم يعرف خلالها الغياب إلا عند سفره للحج ذات سنة.

بدأ مسيرته المهنية في التدريس بحومة السوق، حيث التحق بابتدائية شارع بورقيبة ثم مدرسة التعليم المتوسط التي يشغل مقرها اليوم المركز النموذجي للطاقة. هناك صقل تجربته الأولى في التعليم، قبل أن يتولى مهام الإدارة في مدرسة صدغيان ثم في مدرسة غيزن حيث عرف بصرامته في التنظيم وحسن إدارته لشؤون المدرسة. لم يلبث أن عاد إلى مدرسته الأصلية بحومة السوق ليواصل التدريس، ثم انتقل إلى مدرسة وادي الزبيب التي أدارها لمدة سبع سنوات كاملة، وهي فترة رسخت صورته كمدير مقتدر يجمع بين الحزم والإنسانية.

بعد هذه التجارب في جربة، عاد مرة أخرى إلى مدرسة شارع بورقيبة بحومة السوق ليواصل التدريس لسنتين، ثم شدّ الرحال إلى العاصمة بحثا عن آفاق جديدة. هناك درّس في مدرسة نهج جامع الزيتونة، ثم مدرسة مونفليري منذ افتتاحها حيث بقي ثلاث سنوات، قبل أن يواصل مسيرته في مدارس العاصمة: ست سنوات في أريانة، سبع سنوات في الحلفاوين، وأخيرا في مدرسة عبد الرزاق الشرايطي التي ختم فيها مشواره حتى تقاعده سنة 1980. هذا التنقل بين المدارس لم يكن مجرد انتقال وظيفي، بل كان رحلة غنية بالتجارب، أتاح له أن يلامس مختلف البيئات التربوية وأن يترك بصمته في كل مكان حل فيه.

عرف المرحوم عمر بانضباطه الشديد وحرصه على أداء واجبه، حتى أنه حضر إلى القسم ذات يوم رغم مرضه الشديد، ملتفا ببرنسه، مخالفا تعليمات الطبيب، ليواصل الدرس أمام تلاميذه. هذه الحادثة التي رواها أخوه الأصغر محفوظ، وكان أحد تلامذته، بقيت شاهدا على إصراره وعشقه لمهنته وتعلقه بمصلحة أبنائه التلاميذ. وقد حظي خلال مسيرته بعديد التكريمات في يوم العلم الوطني، اعترافا بما قدمه من جهد وعطاء.

خارج أسوار المدرسة كان عمر بالراجح شخصية اجتماعية بارزة ، من رواد مقهى بن دعماش بحومة السوق حيث كان يجالس عناصر من النخبة المثقفة في الجهة مثل علي قرفالة والطاهر الشاهد، ويتبادل معهم النقاشات الفكرية والاجتماعية. كما رافق في فترة دراسته جيلا من رجالات جربة منهم حسونة بن عياد، ما يعكس انتماءه إلى شبكة من المثقفين والفاعلين الذين ساهموا في صياغة المشهد الثقافي والتربوي المحلي. وفي محيطه العائلي والاجتماعي في حومة الجوامع خاصة وحومة السوق عموما، كان رجلا فاضلا ذا مكانة، يلجأ إليه الناس في المشورة والمساعدة، سواء في قضايا تربوية أو اجتماعية، فكان في خدمة الجميع. وقد أورث المرحوم هذه المكانة وهذا الشغف بالعلم والتعليم لابنيه المرحوم عبد الجليل وهو قنصل سابق والمربي أستاذ الفرنسية المتقاعد لطفي رفيق بالراجح الذي استقيت منه بعض هذه المعطيات وأتممتها بما توصلت إليه عبر التحري من مصادر مختلفة، لتكتمل صورة رجل عاش للتعليم.

ترك المرحوم عمر بن الطيب بالراجح بصمة مضيئة في مدارس جربة والعاصمة، وظل اسمه يحظى بالتقدير والذكر الحسن لدى تلامذته وزملائه وبقيت بعض المدارس التي عمل فيها، مثل مدرسة صدغيان، تستحضر ذكراه في مناسباتها التربوية، وهو ما يؤكد أن أثره لم يقتصر على جيله بل امتد إلى الأجيال اللاحقة.

لقد مثّل نموذجا للمربي الملتزم الذي جمع بين التدريس والإدارة، وبين الانضباط والإنسانية.



 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page