top of page

الطيب زيود: فسيفساء الفن والذاكرة الشعبية

  • صورة الكاتب: Habib ouja
    Habib ouja
  • 11 ديسمبر 2025
  • 2 دقيقة قراءة

الطيب زيود مثقف وفنان تشكيلي تونسي أصيل جزيرة جربة، اختار الفسيفساء لتكون لغته التي يترجم بها القيم الإنسانية والذاكرة الشعبية. أعماله لا تقتصر على جمال الشكل، بل تحمل رسائل اجتماعية وسياسية وثقافية، وهو ما جعلها كثيرا ما تحدث صدى واسعا بين المتابعين. خلف هذه التجربة يقف قارئ نهم للأدب المترجم، شديد التعلق بالأدباء الروس، خاصة دوستويفسكي الذي يجد في نصوصه عمقا يلهمه في صياغة لوحاته.

زيود حاضر بقوة في المشهد الثقافي، يشارك في المعارض المحلية والوطنية الكبرى، وقد تجاوز حدود الوطن ليعرض أعماله في اليابان والسعودية فقد زيّن جناح تونس في معرض إكسبو 2025 بأوزاكا اليابان بلوحة فسيفسائية ضخمة تجسد شجرة زيتون معمّرة بابعاد 4.5×7 متر واستغرقت ثلاثة أشهر من العمل الدؤوب وقد كانت رسالته من خلال اللوحة ان يظهر الزيتونة كرمز للأصالة والارتباط بالأرض، فهي ذاكرة جماعية تختزن التاريخ المشترك وتمنح القوة للاستمرار كما ذكر في احد تصريحاته.

ومن أعماله أيضا لوحات ذات بعد إنساني وسياسي، من بينها لوحة فسيفساء للشاعر محمود درويش في حي الرياض (الحارة الصغيرة ) بجربة، حيث أراد أن يخلّد صوت فلسطين في قلب الجزيرة. هذه اللوحة ما تزال بارزة في أزقة الحي العتيق، شاهدة على الدفاع عن فلسطين ورفض اسقاط تسمية مستحدثة على الحي العتيق.

كما أنجز عملا حقق شهرة واسعة أحيا فيه ذكرى شخصية طريفة من حومة السوق، عم أحمد دحسة البرّاح الكفيف الذي كان يجوب الأزقة دون معين، يبرّح على متاع ضائع أو حالة وفاة مرددا نفس الديباجة: "يا ماشي تربح يا جاي تربح يا اللي تصلي على النبي تسعد وتربح يا فتاح يا رزاق يحلال كل باب يا ربي على بابك آتنا بأصحابك وأنت خير الراحمين...". فحوّل زيود هذه الذاكرة الشعبية إلى عمل فني نابض بالحياة، وظّف فيه إلمامه بكتابة البراي ليحول القول الماثور عن المرحوم دحسة إلى نص مكمل للوحة، يتحسسه كل كفيف بسهولة، في شهادة بعبقرية الفنان.

لكن الطيب زيود ليس مجرد فنان، بل هو أيضا مربي في التكوين المهني وناشط مجتمعي بارز. فقد عمل لفترة طويلة في الجم حيث ترك أثرا طيبا، وهناك تمرّس على فن الفسيفساء. كما لعب دورا حاسما في تثبيت قرار بعث مركز تكوين مهني في الحرف بجربة، وحال دون استيلاء عائلة نافذة قبل الثورة على مقر الصناعات التقليدية، الذي أصبح اليوم القرية الحرفية بحومة السوق، فضاء يربط بين التراث والتنمية المحلية.

زيود شخصية اجتماعية مميزة، ينحدر من عائلة بحارة حيث قضى صغره في مرافقة والده بين الزربة والدراين والشباك. وقد مثّلت تجربته في الحياة والبحر رصيدا انعكس على فنه، فزاد أعماله عمقا إنسانيا وارتباطا بالذاكرة الشعبية

النقاد والمتابعون يرون في أعماله مزيجا بين الواقعية والالتزام المجتمعي؛ حيث كتب أحدهم : "لوحات زيود ليست مجرد فسيفساء، إنها نصوص بصرية تستحضر الذاكرة وتدافع عن القيم". فيما اعتبره آخر : "ابن الجزيرة الذي جعل من الحجارة قصائد، ومن الفسيفساء مواقف".

بهذا المزج بين الفن والالتزام المجتمعي، يمثل الطيب زيود نموذجا للفنان الذي يوظف موهبته للدفاع عن القضايا الإنسانية وإحياء الذاكرة الشعبية، جامعا بين الحضور الوطني والانتشار العالمي، وبين الأصالة والجرأة في التعبير.


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page