
قصر القشعي في حومة القشعيين
- Habib ouja
- 11 أبريل
- 3 دقيقة قراءة
قصر القشعي معلم ذو طابع عثماني يقع في حومة القشعيين بجزيرة جربة. له ارتباط وثيق بالجامع المجاور له والذي يحمل نفس الاسم .فالارجح ان المؤسس واحد وهو ما يجعل العلاقة بينهما علاقة عضوية تتجاوز القرب المكاني إلى وحدة المشروع العمراني والاجتماعي. ولا تتوفر أدلة قاطعة على أيهما أُنشئ أولا غير أن المنطق المعماري والتاريخي يرجّح أسبقية القصر باعتباره النواة السكنية التي استتبعت تأسيس الجامع، ليشكلا معا علامة مميزة في ذاكرة الحومة ومرجعا لهويتها. ومن اسم العائلة المؤسسة استمدت الحومة تسميتها ليصبح القصر علامة تأسيسية في الذاكرة المحلية.
تمتد أسس القصر على مساحة جملية تقارب 1000م² (40×25) ويتكون من مبنيين.

المبنى الرئيسي مكوّن من طابقين: الطابق الأرضي مخصص للأنشطة اليومية من طبخ وغسيل واستراحة ويضم مطبخا، مكانا للاستحمام بمغسل جانبي، ودكانات وظيفية، وكلها في حالة انهيار جزئي تغمرها الحجارة. في وسط البهو الصغير مدرج يقود نحو الغرفة العلوية وبجانبه مستحم على قدر قامة رجل مثبت في جداره عود خشب لتعليق وعاء الماء. من الجهة المقابلة للمدرج مدخل دون باب يقود إلى سقيفة تضم دكانة ودولاب جداري بزخارف وسقف خشبي منقوش، ومنها نصل إلى قبو بمدخل مقوس يحوي دكانة ودولاب، وإلى يمين الممر باب مسدود يفصل حوشا متكامل المرافق، وعلى يساره باب آخر يقود إلى الخارج. في الواجهة الشرقية تظهر أثار بناء بكمرة يبدو انه مطبخ ويتضح ذلك من آثار الدخان على الجدران.
أما الجهة الخلفية فتضم أسطبلا متكاملا بمرابط وأحواض علف ومخزن أعلاف ومساقي مبنية
يليه باب يقود إلى وسط حوش بمرافقه من دار شرقية أبعادها قرابة 12×8م بدكاناتها ودواليبها وركن للنوم يفصلها قوس يرتكز على عمودين صغيرين مطليين بالأخضر، وفناء داخلي.

في الجهة القبلية مطبخ مهيأ حديثا نسبيا بما يوحي أن الطابق الأرضي عرف تهيئة للسكن في زمن قريب يمكن أن يكون النصف الأول من القرن العشرين بدليل نوعية الجليز في المطبخ ووجود الفوانيس وأسلاك الكهرباء من الصنف القديم.

أما الطابق العلوي فيضم الغرفة الفسيحة لصاحب البيت أبعادها 8×8 متر، نوافذها متقاطعة شرقية وبحرية بشبابيك من الحديد المتشابك ولها منافذ عالية في شكل "فَوَّارَات" لإخراج الهواء الساخن من جهة القبلة في زاوية منها ركن علوي له جناحان يرتكز كل منهما على عمود اسطواني

تعلو جدرانها لوحة من الزخارف بواسطة الجبس متصلة ببعضها من كل الجوانب وسقفها من الخشب المنقوش.

إلى الشرق من المبنى الرئيسي يوجد جناح خارجي مستقل على بعد أمتار قليلة، أكثر انهيارا من الأول، مكوّن من طابقين.

الطابق السفلي يضم بهوا بفسحة كالصالون وركنا للاستحمام ومطبخا خارجيا، أما الطابق العلوي فيحتوي غرفة واحدة. هندسته الفخمة، رغم الحطام، تكشف أنه كان معدا إما لسكن أحد أبناء صاحب القصر أو لاستقبال الضيوف.
الهندسة المعمارية للقصر تكشف براعة البنّائين المحليين في الجمع بين الصلابة والوظيفة، فالجدران السميكة تؤدي دورا مزدوجا في العزل الحراري وحمل الثقل والأقواس والقباب نصف الدائرية والكمرات المشيدة بمواد محلية توزع الأحمال وتلطّف الجو والنوافذ المشبكة توفر الخصوصية والتهوية وتظهر حسا فنيا في التعامل مع الضوء والظل.

فيما الأعمدة الأسطوانية التي تتحول إلى قواعد مربعة والزخارف المتناظرة تعكس قدرة الحرفيين على المزج بين القوة والجمال. أما السقف المزخرف بالدوائر والنقوش الخشبية فيحمل تأثيرات أندلسية وعثمانية واضحة ويظهر الطابع الفني للقصر.

لكن حالة القصر الراهنة تكشف أثر الزمن والإهمال فواجهته الخارجية متشققة ومنهارة جزئيا، النوافذ الصغيرة بعضها مسدود، الأقواس والقباب متصدعة، والأسقف والأبواب الخشبية المنقوشة أصابها التضرر رغم احتفاظها بملامح الفن الأندلسي. الجناح الخارجي المنهار جزئيا يحدّ من إمكانية قراءة كاملة لوظائفه الأصلية، فيما المساحات فقدت وضوحها بسبب تكدس الركام .

بذلك يصبح القصر شاهدا في الان نفسه على براعة الحرفيين في الماضي، وعلى غياب العناية في الحاضر.
القصر ليس مجرد بناء، بل جزء من هوية الحومة. ارتباطه بالجامع المجاور يبرز وحدة المؤسس ودور المعالم في تشكيل النسيج العمراني. زخارفه الهندسية والنباتية.

نوافذه المشبكة،

وأسقفه الخشبية المنقوشة تكشف عن ذائقة فنية راقية تجمع بين التأثيرات الأندلسية والعثمانية. أما اجتماعيا فالنوافذ الصغيرة والجدران السميكة ترمز إلى الخصوصية، في حين تحمل الزخارف الداخلية جمالا ورمزية . بذلك يوازن القصر بين الداخل والخارج، بين الحماية والانفتاح، ليجسد صورة مركبة للهوية المحلية.
يقع القصر وسط أرض شاسعة تقارب مساحتها الهكتارين، وبالقرب منه في الجهة الشرقية وفي منتصف المسافة بينه وبين الجامع توجد مقبرة تضم قبورا قديمة وجديدة لأفراد من عائلة القشعي.
ولا يقف قصر القشعي منفردا في المشهد المعماري لجربة، بل يلتقي في ملامحه مع قصر بن عياد بصدغيان، حيث يشتركان في الانتماء إلى نمط هندسة القرن الثامن عشر ذات الجذور الإيطالية-العثمانية-الأندلسية. هذا التشابه في التخطيط والزخرفة والرمزية يوحي بأنهما قد بُنيا في نفس الفترة التاريخية، أو على الأقل في سياق عمراني واحد بما يعكس وحدة الذائقة الفنية وتلاقح المؤثرات الحضارية التي صاغت القصور الكبرى في الجزيرة. إن ذكر هذا الشبه يضع قصر القشعي ضمن شبكة معمارية متكاملة، ويؤكد أن قيمته لا تنفصل عن قيمة القصور الأخرى التي تشهد على مرحلة تاريخية مشتركة.
قصر القشعي معلم معماري يحمل رمزية تتجاوز البناء إذ يجمع بين الوظيفة والثقافة. هذا المعلم يحتاج إلى ترميم عاجل لحماية جدرانه وصون ذاكرة جربة، فهو جزء من السردية الكبرى للجزيرة وشاهد على توازن نادر بين الصلابة والجمال، الخصوصية والانفتاح. والمقارنة مع قصر بن عياد تؤكد أن هذه القصور شبكة متكاملة تستدعي مشروعا متكاملا لحماية التراث قبل أن يطويه الإهمال والزمن.



تعليقات