top of page

جربة والبحر: حكاية وجود وهوية

مثل البحر في جربة منذ القديم ولا يزال محورا محركا لكل نواحي الحياة. لم يكن مجرد امتداد مائي يحيط بالجزيرة، بل كان قوة فاعلة صاغت اقتصادها ونظمت دفاعها وشكلت عاداتها الاجتماعية وألهمت فنونها وموسيقاها، وفرض على أهلها أن يتعايشوا مع تناقضاته بين العطاء والتهديد. تأثير البحر على نواحي الحياة في جربة منذ القديم متعدد الأبعاد، ويظهر في تفاصيل يومية وحكايات عائلية وممارسات جماعية وتحوّلات تاريخية.

من الناحية الاقتصادية، اعتمدت جربة على البحر كمصدر رزق أساسي. الصيد التقليدي كان العمود الفقري لمعيشة كثير من العائلات. فلايك صغيرة تخرج مع الفجر، شباك تطرح وزرائب تنصب في البحر فتحفظ الأسماك في بيئتها حتى يحين وقت جمعها. هذه التقنية ليست مجرد وسيلة صيد بل تعبير عن وعي بالاستدامة: الصيادون يراعون مواسم التكاثر ويضبطون أوقات الصيد لتجنب الإفراط. الثروات البحرية الموسمية مثل كل نوع من السمك والوزف والقرنيط والشوباي والنشاف كانت تشكل تقويما اقتصاديا واجتماعيا فالناس يعرفون متى يبدأ موسم كل نوع ومتى ينتهي وتنتقل هذه المعرفة عبر الأجيال داخل عائلات بحارة معروفة بأسمائها ومهاراتها. ارتبطت مناطق ومهن بأسر مثل القلاع في أجيم ودحمان في السوق وزيود في مليتة، فكانت أسماء العائلات مرادفة لأنماط صيد ومهارات بحرية محددة، ما جعل البحر محركا لهياكل اجتماعية اقتصادية محلية.

في جانب الدفاع والأمن فرض البحر ضرورة بناء قلاع وأبراج مراقبة على الشواطئ مثل برج الغازي مصطفى والقستيل وظهرت النواظير لتوسيع مجال الرؤية وتنظيم الحراسة. هذه المنشآت لم تكن رموزا معمارية جامدة، بل مراكز حياة: حراس يراقبون الأفق، إشارات تنقل عبر النار أو الدخان وحكايات عن ليال السهر تحسبا لغارات أو لعواصف مفاجئة. في الذاكرة المحلية تروى قصص عن لحظات توحد فيها أهل القرية لمواجهة خطر قادم من البحر، وهو ما جعل الأبراج والنواظير جزء من النسيج الاجتماعي لا من المشهد العسكري فقط.

البحر شكل أيضا فضاء يوميا واجتماعيا جامعا. الشاطئ لم يكن مكانا للعمل فقط بل فضاءً للتلاقي: النساء يغسلن البطاين على الرملة، والأطفال يلعبون فغسل البطاين على الشطّ كان طقسا نسويا تتداخل فيه الحكايات والنصائح، بينما كان الصيادون يتبادلون معلومات عن تيارات البحر وأماكن تجمع الأسماك.

تجلّى حضور البحر بوضوح في الثقافة والفنون الشعبية. فالموسيقى الجزرية ولدت حسب الفنان معز الونيسي من إيقاعات البحر: ضربات الطبل الكبير والزكرات المتعددة تشبه تلاطم الأمواج وصوت الريح، والأغاني التراثية تغنّت بخيراته وجماله "في البحر يصطادوا في الڤاروس" و"عالشط والنسمة تهبل وعالرملة مثل الزربية". هذه الإيقاعات لم تكن للفرح فقط، بل كانت وسيلة إنذار وتواصل أثناء الصيد والحروب. الإيقاع نفسه كان يحمل معلومات عن اتجاه الريح أو قرب القوارب أو خطر محتمل.

كما تأثرت الفنون التشكيلية بالبحر واستلهمت منه اروع الاعمال فالفنانون المحليون مثل الطيب زيود وعادل الغودي حولوا عناصر البحر المادية إلى أعمال فنية تحفظ ذاكرة المكان وتعيد تشكيلها بصريا ،الطيب زيود جسّد الزربة في فسيفساء ، أما عادل الغودي فقد أعاد تدوير ألواح الخشب التي لفظها البحر إلى تحف فنية تحمل آثار الملح والوقت. الفنان معز الونيسي يرى في الموسيقى شهادة حيّة على تفاعل أهل الجزيرة مع البحر وتحويل حضوره إلى إبداع يومي.

العلاقة بالبحر أنتجت أيضا روابط ثقافية واجتماعية مع جزر أخرى خصوصا قرقنة. تقنيات الصيد مثل الزربة ليست حكرا على جربة بل نجدها أيضا في قرقنة، حيث فرض البحر على سكان الجزر ظروفا متشابهة فأنتج حلولا متقاربة. تنقلت العائلات بين الجزيرتين، وتأكد ذلك بوجود ألقاب مشتركة وتسمية متطابقة لمناطق مثل "مليتة" في كلتا الجزيرتين، ما يجعل البحر ذاكرة حيّة تربط بين الجزر وتؤكد وحدة التجربة الإنسانية أمام نفس البيئة.

غير أن هذه العلاقة لم تخل من تحديات وتحولات سلبية فرضها الزمن. تآكل السواحل وارتفاع منسوب البحر ابتلعا أجزاء من الحزام الساحلي ومبان وفسقيات ما تزال مطمورة تحت الماء تاركة آثارا مادية ومعنوية في ذاكرة السكان. ومع إدماج الشواطئ في دائرة السياحة دخلت أخلاقيات جديدة على المجتمع المحافظ فاحتاط الأهالي وهيؤوا شواطئ عائلية مثل سيدي جمور وسيدي سالم بعيدا عن النزل، بينما تحوّلت مناطق أخرى لخدمة السياح. كما أصبح البحر مسرحا للهجرة غير الشرعية فبات مألوفا أن تلفظ السواحل جثث غرقى من جنسيات مختلفة في مشاهد صادمة تختلط فيها الالام بأحلام الرحيل.

اقتصاديا واجتماعيا، ظل البحر عامل عزلة أحيانا فباعد المسافات ورفع تكلفة نقل البضائع وهو ما انعكس على الأسعار داخل الجزيرة. هذه العزلة دفعت السكان إلى تطوير شبكات محلية للتبادل والتعاون، لكنها أيضا جعلت البضائع أكثر كلفة، ما أثر على القدرة الشرائية ونمط الاستهلاك.

من منظور اجتماعي نفسي، شكل البحر وعيا جماعيا يمزج بين التصالح والحذر. علّم اهالي الجزيرة الصبر أمام تقلباته والاعتماد على بعضهم البعض في أوقات الخطر. كما ألهمهم الإبداع وفي الوقت نفسه ظل مصدرا للرهبة: أمواج قادرة على محو بيوت وذكريات، ورياح قد تقلب زورقا في لحظة، وغموض أعماق لا يرحم. هذا التوتر بين الأمان والرهبة، بين العطاء والتهديد، هو ما جعل علاقة أهل جربة بالبحر علاقة وجودية عميقة.

إنّ تأثير البحر على نواحي الحياة في جربة منذ القديم في كل أبعادها وهو ما يجعل منه محورا لا يمكن فصله عن هوية جربة.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page