
رشيد وندم الهجرة الصامت
- Habib ouja
- 22 أكتوبر
- 5 دقيقة قراءة
ولد رشيد سنة 1933 في بيت يغمره الاستقرار، وكان أول الأبناء الاحياء بعد وفاة مبكرة لثلاثة من الرضع ، فحظي برعاية خاصة واهتمام كبيرين . عاش طفولة دافئة تتخللها لحظات لعب بريئة بين الجوادي لما كان الامان سائدا ، وأيام مفعمة بالحركة والمتعة وهو يرافق والده في أعمال الفلاحة، يتنقل بين الجنان والسانية، يراقب بعين الطفل المتعطشة تفاصيل الأرض والزرع. كان والده، رغم محدودية تعليمه، يؤمن بأن العلم هو السبيل الاضمن لمستقبل ناجح ففتح لرشيد أبواب المعرفة، وخصص له مخزن الضياف ليكون فضاءً للمراجعة، يجتمع فيه مع أترابه ويشجعهم على المثابرة، ولم يتردد في دفعه إلى دروس التدارك آملا أن يحقق التفوق. لكن رشيد كان يحمل ذكاء فطريا لا يتماشى مع القوالب الأكاديمية، فانقطع عن الدراسة مبكرا واختار أن يشق طريقه بنفسه. شدّ الرحال إلى العاصمة تونس، وهناك تعلّم مهنة الكهرباء واشتغل عند عرف من عائلة بن عمران، ثم انتقل إلى التجارة مع عائلة بن معمر، حيث أظهر براعة لافتة في الحساب وتنظيم شؤون الدكان، ما جعله محل ثقة لدى التجار الجرابة الذين عرضوا عليه شراكات . لكن قلبه كان معلقا بالهجرة، فقرر في صيف 1955، وهو في الثانية والعشرين، أن يغادر إلى فرنسا، تاركا خلفه كل إمكانيات النجاح التي كانت في متناول يده، باحثا عن أفق أوسع وحياة جديدة.
وصل إلى فرنسا وهي تلتقط أنفاسها بعد الحرب العالمية الثانية، بلد ينهض من تحت الركام ويعجّ بمشاريع البناء وفرص العمل. ورغم كثرة العروض، آثر التريث وعدم التسرّع في البحث عن وظيفة، مفضّلا اكتساب تكوين مهني يفتح له أبواب عمل يتماشى مع ميوله. فالتحق بمركز لتعلّم تقنيات الترانزيستور، غير أن هذه التقنية سرعان ما فقدت بريقها أمام زحف الراديو، مما اضطره إلى تغيير المسار والبحث عن عمل.
تنقّل بين مهن شاقة كالكهرباء والطلاء إلى أن استقر في شركة لصيانة شبكة الكهرباء. بدأ فيها كعامل بسيط، وتدرّج في مهامه، غير أنه لم يبلغ مراتب عليا. سكن بداية في غرفة جماعية داخل نزل متواضع في باريس، تقاسمها مع شبّان من جزيرة جربة، جمعتهم الغربة وفرّقتهم لاحقا دروب الحياة.
بعد سنوات قليلة من استقراره في فرنسا، تزوج رشيد من فتاة فرنسية تنحدر من عائلة فلاحين في نورماندي وتعمل في البريد. اختارا أن يبدآ حياتهما الزوجية في غرفة جانبية على سطح عمارة، حيث غطت مظاهر السعادة في السنوات الأولى على كل المصاعب. لم تكن الظروف المادية مرفهة، لكنها كانت أكثر استقرارا مما عرفه سابقا، ووفرت له أرضية لحياة مختلفة. بدأ يندمج تدريجيا في نمط العيش الغربي، يواظب مع زوجته على حضور عروض المسرح والسينما والأوركسترا، وتعودت قدماه على ارتياد المكتبات والمعارض التشكيلية. ومع هذا الانخراط، ظل في داخله حنين مكبوت لأهله هناك، لا يظهر إلا في لحظات الخلوة أو عند سماع لهجة مألوفة، إذ لم يسمح له نسق الحياة بالتفكير في ذلك كثيرا.
ومع تحسن أحوالهما تدريجيا، انتقلا إلى سكن أوسع، تاركين الغرفة لقريب تونسي شاب متزوج. بنى رشيد صداقات متينة مع زملائه في العمل، وتعمقت علاقته بأصهاره الذين كان يزورهم بانتظام في أيام الراحة. ومع اتساع دائرة علاقاته وتعدد تنقلاته، اقتنى دراجة نارية كانت وسيلته الأولى للتنقل بين العمل والبيت وزيارات العائلة، ثم اشترى أول سيارة مستعملة، فصارت وسيلة تعكس انتقاله التدريجي نحو نمط حياة أكثر استقرارا، دون أن ينجرف نحو مظاهر الترف، إذ اعتاد لاحقا على تبديل السيارات حسب الحاجة، مكتفيا بما يتماشى مع مقدرته.
كانت زياراته إلى جربة متباعدة في البداية، بسبب ضعف إمكانياته واضطراره للعمل حتى في أيام الراحة لتغطية المصاريف، خاصة بعد ولادة ابنته الوحيدة في الستينات، والتي عانت من هشاشة صحية منذ ولادتها ولا تزال كذلك بعد تجاوزها سن التقاعد. ورغم تحسن وضعه المادي، ظل بعيدا عن تحقيق الثروة التي حلم بها، إذ لم يتجاوز دخله من عمله وأجرة زوجته حدود الضروريات. انخرط في دورة عمل سنوية لا تتوقف، ما حرمه من الاستمتاع برفقة الأحبة في جربة .
ورغم اندماجه الظاهري في نمط الحياة الفرنسية، ظل محافظا على صلة وجدانية بأطفال العائلة، يرسل لهم الهدايا أو يحملها بنفسه عند العودة. أما علاقاته بالتونسيين في محيطه اليومي، فاقتصرت على مناسبات محدودة، كزيارة أقارب أو معارف والده وأخيه. بدأت علاقته بوالده تتغير منذ قرار الهجرة، لكنها بلغت ذروتها من الفتور بعد إعلان زواجه من فرنسية. ورغم الرضوخ الظاهري لاختيار الابن، فإن تلك الزيجة أحدثت صدمة في العائلة وأدت إلى انهيار صحة الوالد، الذي لازم الفراش إثر جلطة قلبية على الأرجح.
بعد تردد في البداية عاد رشيد إلى بيت والده مصحوبا بزوجته، في زيارات متكررة حاول من خلالها ترميم ما تصدّع من العلاقة بينه وبين والده. لكن رغم تواتر اللقاءات وتقادم الحادثة التي فرّقت بينهما، ظل الجفاء قائما، ولم تفلح الأيام في محو غضب الأب أو تبديد ظلال الخلاف. كانت العلاقة باهتة، كأنها تسير على خيط رفيع من الاحتمال، لا يقطعه إلا الصمت.
ثم جاء عام 1971، ورحل الوالد، تاركا خلفه إرثا من الذكريات والأسى. بعد وفاته، أصبحت صلة رشيد بالعائلة أوثق، وزياراته أكثر انتظاما، وكأنما يسعى لتكفير ذنبٍ لم يغفره لنفسه، أو ربما بدافع المسؤولية تجاه الأم التي شاخت، والأخ الموظف الذي حمل عبء البيت. كان حبّه لوالديه عميقا ونقيا، لم تشبه سوى نزوة شبابية دفعته يوما للتمرد، ثم خفتت مع تقدم العمر، واستقرت في قلبه كندم هادئ.
أما علاقته بزوجته، فكانت قائمة على الإخلاص والوفاء، لكنها لم تكن تخلو من التوتر. عنادها وحذرها المفرط كانا يقفان حجر عثرة أمام أحلامه، تعارض كل مبادرة منه لبعث مشروع تجاري، رغم أن هوس التجارة كان يسكنه منذ شبابه. كان يرى في كل فكرة بذرة نجاح، لكنها كانت ترى فيها مخاطرة تهدد استقرار الأسرة. ومع الوقت، تغلب حرصه على الحفاظ على وحدة بيته، وخفتت طموحاته تدريجيا، حتى أصبح قانعا بما لديه، مكتفيا بما توفر، مؤمنا أن السلام العائلي أثمن من المغامرة. حتى امتلاك مسكن خاص ظل مؤجلا، بفعل تحفظها، فظل الحلم ساكنًا في الظل.
بعد وفاة الوالد، بقي التصرف في الإرث بيد الوالدة، بمساعدة الابن الموظف. لم تبد استعدادا لتقسيم التركة، وظل الأمر معلقا حتى رحيلها في الثمانينات. لكن رشيد، رغم أهمية نصيبه، لم يعوّل عليه. كان يرى في إرث الأجداد أمانة، لا تباع ولا تفرّط، بل تنقل من جيل إلى جيل. وحين تم تقسيم التركة، كان نصيبه "الكوري" ، رضي به دون تذمر، متسامحا مع إخوته، متعففا عن المطالبة، مؤمنا أن وضعه أفضل من وضعية أخيه الموظف وأختيه.
بإمكانياته البسيطة، أعاد تأهيل "الكوري"، جعله سكنًا لائقا يأويه خلال زياراته القصيرة : وسط حوش، ودارين ومطبخ، كأنما أراد أن يرمم ليس فقط الجدران، بل شيئا من ذاكرة الطفولة، من دفء البيت . هكذا، استقر رشيد في صلته بالعائلة، وفي صلته بنفسه، متصالحا مع ما مضى، ومكتفيا بما بقي.
في فرنسا، لم تكن حياته سهلة، لكنه واجه الصعوبات بعزيمة فولاذية، تجدد امله في إمتلاك مسكن خاص وسعى جاهدا لتحقيقه فنجح في ذلك في حي محترم بباريس، حيث كوّن صداقات عديدة. وبعد وفاة زوجته، شعر بشيء من التحرر، فأصبحت زياراته إلى جربة أكثر تواترا. ومع تسارع سنوات العمر، أثقل المرض جسده وتعددت علله، لكنه حافظ على ذاكرة نقية، ينقل من خلالها لابن أخيه تفاصيل دقيقة عن حياته، وتاريخ جربة وتونس، والحركة الوطنية التي عايش رموزها في العاصمة وصادق بعضهم في فرنسا.
الحدث الذي هز كيانه كان وفاة شقيقه سنة 2020، إذ كان أقرب الناس إليه، يتكئ عليه في إدارة أملاكه وشؤونه بجربة، ورحل دون أن يتمكن من حضور جنازته. منذ تلك السنة، تدهورت صحته وتعلق أكثر بالعودة إلى جربة، يقيم فيها لفترات أطول لا يقطعها إلا مواعيد الأطباء وحصص الأدوية التي تلزمه بالرجوع إلى فرنسا. قضى السنوات الأخيرة يستعد للعودة النهائية إلى الوطن، والموت بهدوء بين أهله، كما كان يردد في مكالماته مع ابن أخيه أو في جلساته اليومية على دكانة أمام حوشه.
أتم معظم الإجراءات وكان يسعى لتحويل جراية تقاعده إلى جربة خلال زيارته الأخيرة إلى فرنسا، لكن القدر سبقه. فلم يمكث بعد رجوعه سوى أربعة أيام في بيته، اشتد خلالها المرض، ودخل في غيبوبة طويلة لم تنقطع إلا لساعات قليلة على امتداد عشرين يوما، كان خلالها يبدي أمنيات بسيطة: شربة ماء من فسقية الحوش، أو لقاء أعزاء من جربة. توفي يوم 1 أكتوبر 2025 عن عمر ناهز 92 سنة، بعد حياة متقطعة بين بيئتين لم ينعم بأي منهما كما يشتهي، في هجرة أنهكته، لكنها لم تنل من صدقه ووفائه.



الله يرحم عمي رشيد ... وكم سعدت لمجالسته في عرس في الصيف الماضي ، تجاذبنا الحديث باختصار لكن كل نظرة بذكريات ڨمرة أمه و ڨمرة أمي، وعم صالح وخالي التيجاني وهمي العروسي وعمي الكاهر... الله يرحمهم جميعا
ويرحم عمي رشيد صاحب "الفسبا"
ممتاز ما تحرره
الله يباركلك يا حبيب والله يرحمو خالي الغالي ويدخله فسيح جناته والفردوس الأعلى من الجنة بدون سابقة عذاب.