
جربة في القرنين 17و 18: سلطة وتجارةووعمران
- Habib ouja
- ٢٢ أبريل
- 2 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: ٢٤ أبريل
تظهر المعطيات التاريخية أنّ جربة في القرنين السابع عشر والثامن عشر لم تكن فضاء طرفيا داخل الإيالة التونسية، بل شكّلت مركزا اقتصاديا وسياسيا فاعلا في شبكة المبادلات المتوسطية. فقد كانت الجزيرة مركزا لإنتاج النسيج وتصديره وعقدة تجارية تربط بين تونس وطرابلس ومالطة وصقلية. كما تحوّلت إلى محطة تموين للسفن العابرة ونقطة عبور للزيت والصوف والشمع والحبوب والملح.
وتؤكد وثيقة مخطوطة باللغة الفرنسية لعقد كراء سفن أمدني بها السيد قيس بن عيّاد، حضور التجار الجربيين في موانئ مثل إزمير وسردينيا ومرسيليا وهو ما يعكس اندماجهم في منظومة التجارة الدولية كشركاء فاعلين في شبكات اقتصادية عابرة للحدود. هذه الوثيقة، بما تحمله من أسماء ومعطيات دقيقة، تعدّ مصدرا ماديا مباشرا يثبت انخراط أبناء الجزيرة في فضاء المتوسط ويمنح البحث أساسه الوثائقي.
برزت عائلتا بن عيّاد والقشعي كنموذجين لهذا الانخراط إذ امتلكتا شبكات تجارية واسعة وقدرة على التكيّف مع قواعد التجارة البحرية الأوروبية مع الحفاظ على هويتهما كتجّار "ماوريين" من تونس. ولم تكن هذه الشبكات اقتصادية فحسب بل شكلت أيضا آليات تأثير سياسي غير مباشر مكّنت أصحابها من لعب دور في التوازنات بين الإيالة التونسية والفضاء العثماني في ليبيا وبين شمال إفريقيا والمراكز التجارية الأوروبية.
هذا النفوذ الاقتصادي ترافق مع حضور سياسي داخل منظومة الحكم الحسيني حيث كانت جربة موردا مهما للجباية وقاعدة مراقبة طبيعية للساحل الجنوبي ونقطة توازن بين نفوذ تونس وطرابلس. ورغم أنّ قرب التجار الجربيين من السلطة كان محفوفا بالمخاطر بسبب تقلب قرارات البايات، فإنّ عائلات مثل بن عيّاد والقشعي نجحت في احتلال مواقع مؤثرة عبر التمويل وشبكات العلاقات مع دوائر القرار. وقد كان هذا النفوذ "قربا غير مأمون" لكنه ظل مؤثرا في رسم العلاقة بين المركز والأطراف.
انعكس هذا الثراء والنفوذ على المشهد المعماري في جربة حيث شيّدت العائلتان قصورا فخمة مثل قصر بن عيّاد بصدغيان وقصر القشعي بالقشعيين. وتمثّل هذه القصور مرحلة انتقالية في تاريخ عمران الجزيرة إذ استُقدم لها مهندسون وحرفيون من بلدان أوروبية، إضافة إلى حرفيين محليين مرتبطين بالعائلات المقربة من البايات. وقد أدّى هذا التفاعل إلى دخول عناصر معمارية جديدة متأثرة بالمعمار التركي‑العثماني وبالتقاليد الحضرية المتنوعة التي حملتها الجاليات المقيمة أو المتعاملة مع الجزيرة.
ورغم حفاظ جربة على نمطها العمراني المتفرد القائم على البساطة والوظيفية والاندماج مع المجال، فإنّ هذه التأثيرات الخارجية أضافت طبقة جديدة من التعبير المعماري تجلّت في الزخارف والأقواس وأنظمة التوزيع الداخلي ومواد البناء غير المألوفة في المعمار الجربي التقليدي. ويظهر هذا التحوّل ما يُعرف بـ"تأثير الاقتصاد على العمران" حيث يصبح المعمار مرآة لاقتصاد منفتح ولمجتمع متنوع ولعائلات تجارية تسعى إلى ترجمة نفوذها في البناء.
إنّ المخطوط الفرنسي لعقد كراء السفن، الذي أمدني به السيد قيس بن عيّاد، لا يعدّ مجرد وثيقة تجارية، بل هو شاهد مادّي يفتح أفقا جديدا لقراءة تاريخ جربة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. فهو يثبت حضور التجار الجرابة في موانئ المتوسط الكبرى ويؤكد اندماجهم في شبكات اقتصادية عابرة للحدود بما يجعل الجزيرة فاعلا أساسيا في منظومة التجارة الدولية. ومن خلال هذه الوثيقة، يمكن إعادة بناء صورة جربة كفضاء اقتصادي وسياسي مؤثر حيث ارتبط النفوذ التجاري بالعمران والسلطة وتجسّد في قصور العائلات الكبرى كوثائق حجرية موازية للنصوص. بذلك يصبح المخطوط محورا لفهم ديناميات الثروة والهوية، ودليلا على أنّ تاريخ الجزيرة لا يقرأ فقط في السجلات المحلية، بل أيضا في الأرشيفات الأوروبية التي تحفظ أثرها في المتوسط.



تعليقات