
تحولات حومة السوق من الخمسينات إلى السبعينات حسب شهادة عبد القادر غزيل
- Habib ouja
- 5 يناير
- 2 دقيقة قراءة
تنقل رواية عبد القادر غزيل صورة دقيقة لحومة السوق، فهو شاهد عايش تفاصيلها منذ شبابه حين كان يعمل في السياحة، بسيط في تكوينه الدراسي لكنه واسع العلاقات وهو ما مكّنه من الاطلاع على ما يجري في المدينة ومتابعة تحوّلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عن قرب. وبعباراته البسيطة وأسلوبه المباشر استطاع أن يصوّر جربة في فترة مهمة من تاريخها بكل تعقيداتها وجوانبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ليقدّم شهادة حيّة تربط المحلي بالوطني.
كانت أهم الأنشطة الاقتصادية حسب "قدور" بيد اليهود والأوروبيين إذ سيطروا على تجارة الجملة وحتى التفصيل، فكان "ِرقَّه" من أبرز تجار الجملة وصاحب معمل طحن العجين كان مقره بجوار كيوسك حموني فيما تخصص المالطيون مثل لينو وبراغيتا وفرانسوا في بيع الخمور ولم يبرز المسلمون الا في الصناعات التقليدية مثل صناعة "البلغة" التي اشتهرت بها عائلة البيار.
هذا التنوع الاقتصادي ترافق مع تمايز اجتماعي واضح: فالمالطيون واليونانيون سكنوا مركز المدينة، وقريبا منهم أثرياء اليهود مثل زَيَّانَة الذي كان يمتلك المبنى المقابل للجهة الشرقية للمرشي اليوم، والذي تحول في فترة ما إلى مقر لشرطة حومة السوق في مدخل تاوريت. كما امتلك أحد اليهود الآخرين كامل المبنى من المدخل الخلفي للمرشي إلى حدود مقهى الهناء، إضافة إلى عائلة "رِقَّه" المستقرة بمبنى على ملكها يشرف على شارع بورقيبة اليوم. أما المسلمون وفقراء اليهود فكانوا موزعين على الحوم المتاخمة والحارة الكبيرة المعروفة الآن بالسواني.
قطاع النقل العمومي، وقبل انتشار خدمات الحافلة واللواج والتاكسي، كان بيد اليهود أصحاب الكاليس وفي وقت متأخر امتلك أول مسلم ترخيصا لاستعمال الكاليس للنقل الفردي والجماعي وهو حسن بوقراص، ليفتتح مسيرة عائلة كاملة من العاملين في قطاع النقل.
كما ساهمت حومة السوق في تلك المرحلة من تاريخها في الحراك السياسي. ففي الخمسينات، حسب عبد القادر غزيل، لعبت المدينة دورا في الحركة الوطنية، حيث برز مناضلون مثل عمر جاء بالله، والبشير سعود، ومحمد الفرجاني، والبشير العريبي الذي كان شاعرا وطنيا. ومع اندلاع النزاع بين بورقيبة وصالح بن يوسف، انقسم رجالات الجهة بين مؤيدين لبن يوسف مثل محمود الزريعة والشاذلي شعبان وصالح النجار، وبين مناصرين لبورقيبة الذين وجدوا في دعمه مدخلا لتحقيق مكاسب سياسية ومادية. وقد انعكس هذا الانقسام على المجتمع المحلي إذ تضررت عائلات كثيرة لانحيازها للشق اليوسفي، فيما حقق المنحازون لبورقيبة عديد المنافع.
ويؤكد غزيل أن حل الأحباس كان منفذا لعديد النافذين لوضع يدهم على أراض وعقارات، وهو ما تكرر مع تجربة التعاضد التي أضرت بأغلب الجرابة أصحاب المشاريع والعقارات فقد استبيحت ممتلكاتهم وانتقلت في مرحلة أولى إلى يد الدولة التي استقوى بسلطتها بعض الأفراد ليشرفوا على التعاضديات الكبرى، ثم ليكونوا المستفيدين الأوائل عند إعلان فشل التجربة وتصفية التعاضديات.
ويرى عبد القادر أن تجربة التعاضد في إرساء اقتصاد جماعي فشلت أمام المصالح الفردية والصراعات الداخلية. ويذكر أن أحد النافذين من تاوريت تولى إدارة شركة Socodis في البداية، لكنه واجه صعوبات في التسيير ومنافسة من شخصية من إحدى العائلات المعروفة، مما أدى إلى خلافات داخلية حول طرق التسيير والرقابة المالية. وقد ساعد تدخل بعض رجالات الحومة، ومن بينهم الحكيم سالم عنان، على إيجاد مخرج قانوني يجنّب الرجل تبعات ثقيلة، ليواصل نشاطه في مجال آخر.
حسب شهادة غزيل، فإنه رغم ذلك التمايز الاجتماعي فإن المدينة ظلت فضاء جامعا استوعب جميع الاختلافات، في مشهد واحد متصل يعكس ديناميكية المجتمع الجربي على امتداد العصور.



تعليقات