
المناضل عمر جاء بالله
- Habib ouja
- 3 ديسمبر 2025
- 3 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 9 ديسمبر 2025
عمر بن محمود بن الحاج علي جاء بالله، المولود بحومة السوق بجزيرة جربة بين سنتي 1906 و1907 إذ حال ضعف تسجيل المواليد آنذاك دون تحديد السنة بدقة. ابن صالحة بنت سالم البارودي، نشأ في بيئة بسيطة واقتصر تعليمه على حفظ القليل من القرآن الكريم في الكتّاب، قبل أن ينخرط في أعمال الحوكة والجزارة والفلاحة. عرف بعلاقاته الواسعة وشخصيته المنفتحة، ما جعله يحظى بشعبية كبيرة في محيطه، وكان ذلك مدخله إلى العمل السياسي حيث انخرط منذ البداية في الحزب الدستوري القديم ليكون من الرعيل الأول الذين حملوا على عاتقهم مهمة التنظيم والتحريض ضد الاستعمار الفرنسي.
تكفل مرارا بتنظيم الاجتماعات السرية في زاوية سيدي عبد القادر أو سانية الطرابلسي وسيدي سالم ، وشارك في تعليق المناشير وتوزيعها، كما ساهم في تنظيم المظاهرات والإضرابات. لم يكتف بذلك، بل نفذ أعمال "تخريبية" ضد مصالح المستعمر من شبكات الهاتف والمياه والكهرباء، كما نجح في استقطاب منخرطين جدد للحزب. وكان رفيقه في الكفاح بحومة السوق المناضل حسين الحاج حسن (زويو).
شارك عمر جاء بالله في مظاهرات 8 و9 أفريل 1938، ليتم اعتقاله مع رفيقه حسين الحاج حسن وعدد من المناضلين . جرى التحقيق معه في فندق الجندرمية بحومة السوق (فندق بن عباس اليوم)، ثم نقل إلى قابس ومنها الى سوسة ثم سجن 9 افريل ليعرض على المحكمة العسكرية التي حكمت عليه بالإعدام. لاحقا خففت محكمة التعقيب الحكم إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة مدى الحياة، وخطية مالية قدرها 1500 فرنك فرنسي، وتجريده من حقوقه المدنية ومصادرة املاكه والنفي.
نقل عمر إلى سجن الحراش بالجزائر، سيء السمعة، حيث وضع في زنزانة رقم 8، وأُُشِّرَ على قميصه بعبارة "خطير جدًا". هناك عانى من التعذيب الشديد، وقد شاركه السجن مناضلون بارزون مثل الباهي الأدغم ومصالي الحاج(زعيم حزب نجم شمال افريقيا الجزائري) والهادي خفشة عضو الدستوري القديم وهانز الفرنسي رئيس الحزب الشيوعي . إلى جانب أبناء جربة البشير سعود وبوبكر البرناط وحسن قروز والجيلاني جرتيلة وعمر بوصفارة وبلحسن الجريري.
ثم نقل الى سجن لومباز وباتنة ثم maison de force et correction ثم اعيد الى سجن الحراش
بعد الحرب العالمية الثانية صدر عفو عام، فعاد عمر إلى تونس حيث استقبل خبر الإفراج من الهادي نويرة. رجع إلى جربة لكنه ظل تحت مراقبة المفتش ألفونس، ملزما بالحضور يوميا للامضاء في المركز. رغم ذلك واصل النضال مع رفاقه الطاهر بطيخ وعمر بوزفارة وقويدر الجميل.
في ديسمبر 1954، وقبل وفاته بنصف شهر، اقتنى بندقية استعدادا للالتحاق بالمقاومة المسلحة في الجبال. يوم 27 ديسمبر أصيب بزكام، فزار الطبيب الفرنسي بيتريني الذي حقنه بحقنة شلته عن الحركة، ليتوفى مساء اليوم نفسه. هذه النهاية أثارت شكوكا واسعة، إذ اعتبر أهله وأبناء جربة أنّ الطبيب كان على صلة بعصابة "اليد الحمراء"، وأن وفاته كانت عملية اغتيال مدبرة.
أحدثت وفاته تململا في صفوف الأهالي، وحضر جنازته جمع غفير، وألقى المناضل حسن قروز كلمة تأبين وصفه فيها بأنه "الدستوري من رأسه إلى أخمص قدميه". رغم ذلك، ظل اسمه مهمشا في الرواية الرسمية، ولم يخلّد إلا بتسمية نهج فرعي باسمه، دون وسام أو تقدير من السلطات.
بورقيبة نفسه استشهد بشجاعة عمر جاء بالله في بعض خطاباته، بل وبّخ النقابيين على تمردهم على الدولة خلال أحداث 1978 قائلا: "باش ترجعولي عمر جاء بالله"، في إشارة إلى صلابته الوطنية. غير أنّ تصنيفه لاحقا كمناصر لصالح بن يوسف، رغم وفاته قبل اندلاع النزاع اليوسفي-البورقيبي، ساهم في تهميش ذكراه.
قصة عمر جاء بالله تختزل مسار مناضل جسّد روح التضحية والالتزام الوطني، لكنه دفع ثمن مواقفه غاليا: السجن، التعذيب، فقدان والدته في ظروف غامضة حيث انه بعد اعتقال ابنها وقع استدعاؤها للاستجواب بصفاقس لتختفي دون اثر ويرجح انها عذبت حتى الموت، ثم وفاة مشبوهة. إنّ إعادة الاعتبار لذكراه ليست مجرد واجب تاريخي، بل هي أيضا إنصاف لجيل من المناضلين الذين صنعوا الاستقلال بدمائهم وصبرهم، وظلوا خارج دائرة التكريم الرسمي.



تعليقات