
الفكر السياسي الإباضي:قراءة في كتاب الدكتور زهير تغلات
- Habib ouja
- 5 مارس
- 2 دقيقة قراءة
يمكن اعتبار كتاب الفكر السياسي الإباضي للدكتور زهير تغلات من أبرز الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تسعى إلى إعادة قراءة التراث السياسي الإباضي من خلال نصوصه ومراحله التاريخية
يقدّم البحث رؤية تحليلية تجمع بين العمق التاريخي والدقة في بسط وتوظيف المفاهيم
مؤلف الكتاب هو باحث تونسي متخصص في الحضارة والفكر الإسلامي وهو يضع هذا العمل في إطار نقدي يهدف إلى فهم خصوصية التجربة الإباضية في التاريخ الإسلامي.
يستعرض الكتاب بالتفصيل مبدأ الولاية والبراءة باعتباره أداة مركزية لضبط الانتماء للجماعة الإباضية وإقصاء المخالفين، موضحا كيف شكّل هذا المبدأ أساسا للتمايز العقدي والسياسي. كما يتناول مسالك الدين الأربعة: الظهور، الدفاع، الشراء، الكتمان، باعتبارها خططا مرحلية لحماية الهوية السياسية والعقدية للجماعة ويربطها بمفهوم الإمامة التي صاغها الإباضية كقيادة دينية وسياسية جامعة وقابلة للخلع إذا انحرف الإمام وهو ما يعكس جرأة سياسية فريدة مقارنة ببقية المذاهب الإسلامية.
كما يبرز الكتاب دور مؤسسات مثل الحلقة والعزابة في طور الكتمان حيث تحولت السلطة من الإمام الفرد إلى سلطة جماعية قائمة على التشاور والانضباط مما ساعد على الحفاظ على وحدة المذهب في فترات الضعف والانقسام. كما يخصص المؤلف مساحة واسعة لتحليل الانشقاقات الداخلية التي عرفها المذهب ليوضح أن دوافعها تراوحت بين السياسي والفقهي وأنها كثيرا ما ارتبطت بالصراع على الإمامة والسلطة. ويكشف أن هذه الانقسامات لم تكن دائما بمستوى "الفرقة" الكاملة، بل إن بعضها بقي مجرد مدارس أو مقالات فكرية، بينما ارتقت فرقتا النكار والوهبية إلى مستوى الفرقة المنظمة ذات الرموز والتشريعات.
في خاتمة الكتاب، يطرح المؤلف تساؤلات نقدية حول مدى قدرة هذه المنظومة الفكرية على التكيف مع قيم العصر الحديث مثل المواطنة وحقوق الإنسان. ويقترح أن تجاوز منطق العنف والإقصاء ممكن عبر إعادة بناء مفهوم جديد للاختلاف قائم على الحرية الدينية، المساواة، والاحترام، مع تجديد الفكر الديني بالاجتهاد والتأويل.
بهذا، يقدم كتاب الفكر السياسي الإباضي رؤية شاملة تجعل من التجربة الإباضية نموذجا فريدا في تاريخ الإسلام، حيث تلتقي العقيدة بالسياسة، والتاريخ بالسردية الرمزية، وتكشف عن مرونة المذهب في مواجهة التحديات والانقسامات مع فتح الباب أمام إمكانات التحديث والتجديد.



تعليقات