
جامع الجديد: من فضاء العبادة إلى ذاكرة الجماعة
- Habib ouja
- 8 فبراير
- 2 دقيقة قراءة
لم يكن جامع الجديد ، منذ نشأته مجرد بناء ديني، بل فضاء نشيطا للحياة الروحية والاجتماعية في حومة الزاوية، ارتبط بممارسات جماعية ومناسبات دينية شكلت جزء من ذاكرة الأهالي.
في الخمسينات، عاش الجامع أجواء روحية نشيطة فكان المصلون يجتمعون في القبة بعد اداء صلاة العشاء ، عند وفاة أحد الجيران يتلون الألفية، وهي تسبيح وتهليل وتحميد واستغفار للميت، قبل توزيع نوع من الخبز المخصوص (المصفر) صدقة على روحه. القبة نفسها تحولت إلى مركز اجتماع، تحتضن اختام القرآن وتلاوة متن البغدادي في شهر ربيع الأول، حيث يُقرأ حرف كل ليلة بعد صلاة العشاء.
كانت تزينها راية مثبتة بخشبة ومرافع، ترصف حولها أربعة دفوف تستعمل خلال المدائح، ما جعلها فضاء يجمع بين العبادة والاحتفال الديني.
في تلك الفترة، ارتبط الجامع بوجوه بارزة من الحومة شكلت نواة جماعة المسجد، مثل علي القابسي وابنه منصور، سالم المجبري، علي عبودة، محمد الميساوي، عبد الرحمان والحبيب بن حامد، سالم عبودة، إبراهيم هاماني، الحاج محمد جراد وشقيقه عبد اللطيف، ثم انضم إليهم عامر والبشير الطرابلسي وإبراهيم وسعيد وبلقاسم راشد وعلي عنان وعبد القادر الميناوي. هؤلاء كانوا يساهمون في إحياء المناسبات الدينية وصون المكان، قبل أن تتوسع أنشطته الرسمية لاحقا.
حتى بداية الثمانينات، اقتصر نشاط الجامع على الصلوات الخمس، إلى أن أُذن سنة 1981 بإقامة صلاة الجمعة والعيدين، وهو ما رفع من مكانته بين مساجد المنطقة، وجعل صلاة الجمعة موعدا أسبوعيا يجمع المصلين ويوطّد الروابط بينهم. وحسب شهادة الشيخ بوعيش فقد ارتفع عدد المصلين بشكل ملحوظ عبر العقود: من نحو ثلاثين مصليا سنة 1950 إلى حوالي المائة في الصلوات الخمس سنة 2005 وما يقارب ثمانمائة في صلاة الجمعة. هذا التزايد دفع الأهالي إلى المطالبة بتوسعة المسجد وهو ما تم الانطلاق فيه سريعا سنة 2003 بعد الحصول على الاذون وتمت التوسعة بتمويل جماعي من أهل الخير: عمر جراد تكفل بتكاليف اليد العاملة، ضو راشد بثمن الحديد، فيما قدّم أخرون تبرعات عينية من رمل وإسمنت وياجور، وساهم محفوظ مسلم بمبلغ مهم.
لم تقتصر هذه الروح الجماعية على التوسعة، بل امتدت إلى المناسبات الكبرى، خاصة في رمضان، حيث كان المسجد فضاء لتوطيد المودة والرحمة بين المصلين. كثيرون من أهل البر كانوا يبادرون بإحضار مستلزمات الإفطار والتحلية والمشروبات خلال التراويح والمسامرات الدينية، لتتحول ليالي رمضان وخاصة ليلة السابع والعشرين، إلى لحظات مميزة من التضامن.
وهكذا يتضح أن جامع الجديد لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل مؤسسة اجتماعية وروحية ساهمت في تشكيل ذاكرة جماعية لأهالي حومة الزاوية فقد جمع بين العبادة والتعليم، وبين التضامن والاحتفال، ليغدو شاهدا على تحولات المجتمع عبر العقود. ومن خلال تضافر جهود رجاله وأهله، ظل الجامع مركزا نابضا بالحياة، يختزن في جدرانه وقبته قصصا عن الوفاء للتراث والحرص على استمرارية الروح الجماعية التي ميّزت سكان الزاوية جيلا بعد جيل.



تعليقات