
جامع سيدي جمور
- Habib ouja
- 12 يونيو
- 2 دقيقة قراءة
يقع على الساحل الغربي لجزيرة جربة في موقع علوي ذي وظيفة دفاعية، إذ كان في الاصل غرفة مراقبة صغيرة قبل أن يتحوّل إلى مصلى، ثم أضيف إليه فضاء مقبّب صار مزارا يتبرك به الناس ويشعلون فيه الشموع. بجواره فسقية واسعة كانت تحتضن الجموع خلال السهرات الاحتفالية، وأمامها حوش تقليدي يبدو أنه شُيّد في فترة لاحقة.
تُرجع أغلب الروايات الشفوية تأسيس الجامع إلى القرن السادس عشر، في ظل ندرة المصادر المكتوبة. أما أصل التسمية فيظل محل جدل بين من يربطها بوليّ محلي حُرّف اسمه بمرور الزمن، وبين من يرى ارتباطها بشخصية غير عربية أو مسيحية، وبين من يفسّرها بالمصطلح المعماري "الجامور"، أي الكرات الزخرفية التي تعلو القباب والمآذن، وهو التفسير الأقرب للمنطق.
اليوم يقف الجامع في مواجهة عوامل التدهور بفعل الطبيعة وتأخر الترميم ولم تفلح الإصلاحات الأخيرة في حمايته من تأثير الزمن والبحر. ورغم ذلك ظل المكان مرتبطا بعادات جماعية متجذّرة في الذاكرة الشعبية، حيث كانت الزيارات تمتد لأيام تتخللها ولائم تُطهى في القازان الكبير على يد أمهر الطباخين، وسهرات تحييها العائلات وفرقة الطبالة حتى الفجر. وقد شكّل الجامع فضاء محافظا في مواجهة السياحة الساحلية بالجهة الشرقية، فكان ملاذا للعائلات من أجيم ومليتة وحومة السوق، في سياق رفض المجتمع المحلي لمظاهر العري والسلوكيات الوافدة مع السياح.
من أبرز التقاليد المرتبطة بسيدي جمور زيارة أهالي "حومة الجوامع"، وهي ليست سنوية بل ترتبط بأحداث مهمة لدى العائلات، فتكون "وعدة" من ربّ العائلة يستدعي لها الأقارب والجيران. وبما أنّ عائلات الجوامع تربط بينها علاقات نسب ومصاهرة، تتحوّل الزيارة في النهاية إلى حدث جماعي يشمل الحومة بأكملها. تبدأ الاستعدادات بجمع المساهمات المالية مسبقا في حوانيت النسيزة والمقاهي والحياش، حسب عدد المشاركين، ليُشترى بها ما يلزم من الذبائح ولوازم الطبخ. تنطلق الزيارة مساء الخميس حيث يسير الرجال والنساء القادرون على الأقدام وهم يسوقون الماعز، بينما تُنقل العجائز والأطفال على "الكريطة" مع المؤونة والفرش، وتختتم الزيارة يوم الأحد. خلال أيام الزيارة ولياليها تُنظم احتفالات ومسابقات مختلفة، من سباق الدراجات للشبان إلى وتجسيد مشاهد من الاعراس الى رهانات رفع مدفع متروك على الشاطئ بين الرجال . ويشهد السيد عبد الحميد قروز أن قليلا من رجال الحومة كان قادرا على رفع المدفع، ولم يُعرف إلا عن شخصين هما عبد المجيد والأزهر بالراجح رحمهما الله.
ومن أشهر الطقوس أيضا زيارة "الخمس"، التي ترتبط بأهالي مليتة وتمتد على خمسة أيام وليال يجتمع فيها الأهالي للطبخ والسهر والسباحة. وفي عقود متأخرة تحوّلت زيارة الخمس إلى مهرجان رسمي حافظ على نفس فقرات الزيارة التقليدية تحت اسم "مهرجان سيدي جمور"، لكنه لم يستمر طويلا.
لقد تميّز سيدي جمور عن شطوط أخرى مثل الحشاني وسيدي زايد بخصائص كالبعد عن العمران والابتعاد عن المنطقة السياحية والأمان وسهولة السباحة رغم كثرة الترش. هذه الخصوصيات عززت مكانته كمزار مفضل للعائلات، سواء في إطار الطقوس الجماعية أو المناسبات الخاصة مثل الأعراس، حيث كان العريس يخرج مع أصحابه (العرّاسة عند أهل الجوامع) إلى البحر بعد الحمام والقهوة.
يظل الجامع اليوم في وضع هشّ إذ تتفاقم مظاهر التدهور فيه مقابل وعود متكررة بالترميم لم تترجم إلى إجراءات فعّالة وهو ما يجعله بحاجة إلى تدخل جاد يحفظ قيمته التاريخية والاجتماعية.



تعليقات