top of page

النول حكاية

الحوكة هي أقدم الصناعات التقليدية في جزيرة جربة، وقد تحوّلت بمرور الزمن من مجرد حرفة إلى نسيج متكامل من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

عم رشيد بوعجيلة، المولود سنة 1942، يمثل أحد آخر عناصر الجيل الذهبي للحوكية في حومة السوق، وذاكرة حيّة تنقل لنا تفاصيل المهنة وتحولاتها


يرافقنا العم رشيد في سرد سيرة حياته والظروف التي رمت به في حرفة لم يكن يضعها في اهتمامه "غادرت جربة في سن السابعة، يتيم الأب، أبحث عن رزق في التجارة، لكن الغربة كانت قاسية، ولم تمنحني ما حلمت به." فقد امتدت رحلته 22 سنة بين العاصمة والكاف، قبل أن يعود في التاسعة والعشرين، خاليَ الوفاض، ليستأنف حياته في فندق المالطي المجاور لمقهى الحاج حسن.


في ذلك الفضاء، بدأت مرحلة جديدة من حياته. هناك، أنقذته الحوكة. "تعلمتها متأخرا، لكنني أحببتها من أول خيط، وأتقنتها بشرف، وجعلت منها مهنة تقي عائلتي الحاجة وتمنحني الكرامة." يدين بالفضل للمرحوم التوهامي بوعجيلة، الذي وجهه للحرفة، فكانت له فيها حياة لم يندم عليها.


لم يكن العم رشيد وحده في هذا المسار، فقد ازدهرت الحوكة بفضل صنائعية مهرة، من بينهم عبد الله الحمداني، محمود الحوات، حسين جراد، عبد الرحمان بلطيف، بلقاسم الميساوي، علي وحسن الوكيل، محمد الرجباني، وحسين بلشهب، إلى جانب عائلات ريحان والمليتي. أسس هؤلاء نظاما إنتاجيا دقيقا تتكامل فيه المهام بين الرجال والنساء؛ إذ كانت النساء تحضّر "الطعمة" من منازلهن، مرورا بمراحل تنظيف الجلود في البحر، تمليحها، نتف الصوف، تنظيفه بالقرداش، غزله ولفه.


يستذكر العم رشيد: "كنّا ننتظر الطعمة بفارغ الصبر، فهي بداية العمل الحقيقي، وكل مرحلة فيها تعب، لكنها تعب يخلق الجمال."


وكانت رحلة النساء إلى البحر في ساعات الفجر مشهدا احتفاليا رغم متاعبها، تضم الأطفال وأحيانا أحد الرجال لتأمين الطريق. كنّ يخرجن محمّلات بالبطاين لغسلها، وتتوج هذه الرحلة أحيانا بغنيمة من الأسماك توزعها قوارب الصيد العائدة على الأطفال. وربما كان اصطحاب الأطفال حيلة من الأمهات لنيل هذه الهبة، فحال كثير من العائلات آنذاك كان يحتاجها.


ومع اكتمال مراحل التحضير، تجمع الطعمة في يوم السوق وتباع في سوق اللفة، أو تسلّم مباشرة لأصحاب الحوانيت مقابل أجر يحتسب حسب الكمية. بعد النسج، تنقل لفّات الشغل إلى سوق الربع، حيث يشتريها المصّدرون مثل الحاج يونس لتصدّر إلى إفريقيا. وكان الصنايعية يعملون طوال الأسبوع، ويخصصون يوم السوق للراحة واقتناء حاجياتهم.


هذا التوزيع الزمني للعمل لم يكن اعتباطيا، بل يعكس نمط حياة رجال الجزيرة الذين يتنقلون بين الحرف حسب المواسم: فلاحون في موسم الزراعة، صيادون عند وفرة البحر، وحوكية حين يحين وقت النسيج، وهو ما يدل على تكيفهم الذكي مع إيقاع الطبيعة وتنوع مصادر الرزق.


تمر الحوكة بمراحل دقيقة تبدأ بتدوير الخيط وتنظيمه بأدوات مخصوصة مثل "المكبة"، "الردانة"، و"الناعورة"، ثم تحال كباب الخيط إلى النول للنسج النهائي.

يتكوّن النول من عدة قطع، كل واحدة منها عنصر أساسي لا غنى عنه في عملية النسج، منها: الوثّاق، الزركون، عصا النول، البرادي، الزويزق، السّاهوق، العوارض، الديابن، الصواعد، الدف، المشدّ، المِتِّيتْ، الشفرة، الجيوش، البكرة، القِرص، النزق، المفلّق، المطوى، الباهوق، المشط، وغيرها. تصنع الأدوات غالبا من الخشب أو القصب وتترك بلونها الطبيعي دون طلاء.


يقول العم رشيد وهو يشير إلى النول: "كل قطعة فيه لها اسم ووظيفة، لا يمكن أن تنسج دون أن تعرفها، النول مثل الإنسان، كل عضو فيه مهم."


ولم تكن الحوكة حكرا على الصنايعية القارين، بل كانت ملاذا للأطفال، الطلبة، الموظفين، وحتى التجار المفلسين. يتعلم الصغار الحرفة بمنطق "إحفظ واترك"، مما يضمن استمرارية المهنة. وكانت الحوانيت فضاء للزرد وحلقات الشاي، حيث الكانون والبراد لا يفارقان المكان، وكان طول يوم العمل لا يحلو إلا بترشف الشاي الأخضر والأحمر.


الهندسة المعمارية للحانوت تعكس فلسفة وظيفية دقيقة: أرضية ترابية، وسقف هرمي، بواجهة ذات شباك جانبي أو اثنين، ومدخل بباب من خشب الزيتون ينزل إليه بدرجات، وفي ظهره فتحات مرتفعة لتصريف الهواء الحار، مما يضمن توازنا حراريا.


هذا الفضاء لم يكن مجرد ورشة، بل كان امتدادا للحياة الجربية. فالنسيج يتداخل في مختلف جوانبها: مورد رزق، وملابس للعائلة، وأغطية وأفرشة، ويستخدم في تجهيز العروس، ويعدّ فضاء لتدريب الأطفال وتأطيرهم. على الدكانة الخارجية، تعقد جلسات المسامرات، وتبرم المصالحات، وتجرى الخطوبات، وتخضّر الصابات.

يقول العم رشيد بأسى: "الحوكة كانت كل شيء، كانت رزقنا، وكانت فرحتنا، وكانت المدرسة التي تعلمنا فيها الصبر والكرامة."


لكن هذا التراث، رغم زخمه، يواجه اليوم خطر الاندثار. رحيل الصنايعية القدامى، عزوف الشباب عن تعلم الصنعة، تراجع دور المرأة في مراحل الإنتاج، والاعتماد على الصوف المصنّع بدل اليدوي، كلها عوامل ساهمت في تهميش الحرفة. كما أن المنافسة الشرسة من المنسوجات الصناعية، خاصة المستوردة، زادت من هشاشة هذا الإرث.

ومع ذلك، تظل الحوكة أكثر من مجرد حرفة. فهي تعبّر عن روح المجتمع الجربي، إنها قصة طويلة نسجها الزمن، وحفظتها أيادي الصنايعية وقلوبهم.


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page