
أزمة الحرف التقليدية في جربة
تعيش جزيرة جربة أزمة متفاقمة في مجال الحرف التقليدية، أزمة تتجاوز حدود الاقتصاد لتضع الإرث الثقافي والهوية الجماعية أمام خطر الاندثار. فقد تراجع عدد الحرفيين بشكل ملحوظ، وانقرضت بعض الحرف مثل لف حبال "الغرارة" و"الدراين" فيما تواصل أخرى بصعوبة كصناعة الحصير.
يختصر السيد محمد خشة من عائلة الشهباني العريقة في نسج حصر السمار أزمة الحرفة بقوله إن أفراد العائلة كانوا يتعلمونها ويمارسونها قديما أما اليوم فمن الصعب إقناع شاب بالاقبال عليها إذ لا يرى أمامه سوى حلم الهجرة تاركا حسب قوله إرثا مهددا بالزوال.
هذا التراجع يرتبط بندرة المواد الأولية مثل الصوف والسمار والسعف وهو ما أدى إلى تفكك حلقات الإنتاج التقليدية من غسل ودباغة وغزل فأضعف الدورة الإنتاجية وأفقدها تماسكها.
في المقابل غزت المنتوجات الصناعية والمستوردة الأسواق، من حصر بلاستيكية وحبال مصنّعة واقفاص معدنية (دراين معملية) وصوف صناعي فاستقطبت المستهلكين بوفرتها وانخفاض أسعارها وأدت إلى عزوف عن المنتوجات التقليدية التي لم تعد قادرة على منافسة هذه البدائل. كما تقلص الدور الاجتماعي الذي كانت تؤديه النساء في الإنتاج، وارتفعت التكلفة في ظل غياب الدعم المادي واللوجستي، مما جعل الشباب ينفرون من ممارسة الحرف. ويؤكد عدد من المختصين أن هذا الوضع لا يمكن معالجته بحلول ظرفية بل يستوجب رؤية شاملة تعيد الاعتبار لهذا القطاع وتربطه بمسارات التنمية الثقافية والسياحية. ويشدد الطيب زيود المكوّن المعتمد لدى وزارة التكوين المهني والفنان المعروف في فن الفسيفساء على أن إدماج الحرف المهددة في مسارات التكوين والتأهيل أمر ضروري وأن أي إصلاح تربوي قادم يجب أن يضع هذه الحرف ضمن أولوياته حتى تظل المهارات متوارثة ولا تنقطع حلقات المعرفة. كما يرى خبراء آخرون أن التسويق الرقمي يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام الحرفيين، إذ يتيح لهم الوصول إلى أسواق أوسع ويعزز ارتباط المنتوجات بالسياحة، فيما يساهم التمويل البديل والشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني في توفير الدعم والحماية.يزداد الوضع سوء بسبب غياب استراتيجية وطنية واضحة إذ لم تتبن الدولة رؤية متكاملة لحماية هذا القطاع بل اتخذت سياسات غير مدروسة مثل استبدال حصير السمار في الجوامع بمنتوجات معملية محلية أو مستوردة وهو ما حرم الحرفيين من منفذ تقليدي مهم لتصريف إنتاجهم. وإلى جانب ذلك فقدت بعض المعارض دورها الأصلي في خدمة المنتوج المحلي، كما حدث في معرض قلالة للفخار الذي غزته منتوجات أخرى فأضاع خصوصيته.
هذا الوضع المتأزم للحرف التقليدية يفرض إعادة التفكير في دور الدولة والمجتمع في حماية هذا الإرث.



تعليقات