
أولويات حماية التراث بجزيرة جربة: دراسة تحليلية لنتائج استبيان 2026
- Habib ouja
- 20 يوليو
- 4 دقيقة قراءة
يعرض هذا المقال أبرز ما كشفته نتائج استبيان أجري خلال أربعين يوما حول تراث جربة من أولويات وتحديات مع رؤية عملية لحماية الهوية الثقافية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
الإجراءات المنهجية للاستبيان
تم تحديد فترة المشاركة ب40 يوما (02جوان2026 /12 جويلية 2026) ، فترة تضمن اطلاع ومشاركة أكبر عدد ممكن من المهتمين دون الاقتصار على عدد مسبق. وقد تم اعتماد إستراتيجية نشر متعددة القنوات شملت منصات التواصل الاجتماعي وخدمة المراسلة الفورية والبريد الإلكتروني وذلك لضمان أوسع انتشار ممكن للرابط المخصص للمشاركة. كما أُعدت نسختان بلغتين :العربية والفرنسية وذلك بهدف تيسير المشاركة وتوسيع قاعدة المستجيبين لتشمل المقيمين الأوروبيين.أما على مستوى البناء الداخلي للاستبيان، فقد صيغت الأسئلة في شكل مغلق بخيارات محددة بما يسمح بتحويل الإجابات إلى نسب دقيقة قابلة للتحليل الكمي. وأُدرج سؤال خاص بمكان الإقامة، والهدف من ذلك استقراء مستوى الوعي وفق التوزيع الجغرافي للمشاركين.
اهداف الاستبيان
يهدف الاستبيان إلى تحديد أولويات الحماية للتراث المادي واللامادي ورصد أبرز التهديدات وتقييم مستوى الوعي واستكشاف الاستعداد للمشاركة، وصولا إلى صياغة توصيات عملية مدعومة بتحليل المعطيات.
تحليل الإحصائيات
* أظهر الاستبيان أن أغلبية المشاركين من جربة ويعيشون فيها بنسبة 61.8% وهو ما يعكس ارتباطا مباشرا بالتراث المحلي فيما شكلت الجالية الجربية بالخارج 14.7%
دلالة على استمرار الاهتمام رغم البعد. كما شارك 14.7% من خارج جربة لكن من تونس وهو ما يظهر اهمية التراث الجربي في الوعي الوطني، بينما مثّل القادمون من خارج تونس 8.8% وهو دليل على البعد العالمي لتراث الجزيرة وهو ما تاكد مع ادراجه ضمن التراث العالمي المحمي.
هذه التركيبة تمنح الاستبيان قاعدة محلية قوية مع امتداد وطني ودولي.
* عند الحديث عن الأولويات برز المعمار التقليدي والمعالم بنسبة 79.4% والبيئة والطبيعة بنسبة 76.5% كأهم ما يرغب المشاركون في حمايته وهو ما يعكس وعيا بخطر اندثار الهوية المعمارية وإدراكا للعلاقة الوثيقة بين التراث والطبيعة. أما الحرف والصناعات التقليدية والتراث اللامادي فقد حصلا على نسب متوسطة (55.9%) وهو ما يشير إلى إدراك قيمتهما رغم التراجع في حين جاء التراث الديني والتعايش بنسبة 35.3% ليؤكد أنه عنصر مميز لكنه ليس في صدارة الاهتمامات. بذلك يتضح أن محور الاهتمام الأكبر يتمثل في المعمار والبيئة.
* أما التهديدات فقد اعتبر البناء العشوائي والتشويه الخطر الأكبر بنسبة 73.5% يليه التلوث وضعف العناية بنسبة 55.9% ثم ضعف التوعية بنسبة 50% والسياحة غير المسؤولة بنسبة 47.1%. هذه النتائج تكشف أن العمران العشوائي والبيئة والوعي المجتمعي هي أبرز التحديات، بينما تراجع الحرف (38.2%) والنمو الديمغرافي والهجرة والعولمة (2.9%) تبقى عوامل ثانوية لكنها كامنة.
* في تقييم وعي الناس بأهمية التراث اعتبر 64.7% أن الوعي ضعيف جدًا و29.4% أنه متوسط، فيما لم تتجاوز نسبة من وصفوه بالممتاز أو الجيد 5.8%. هذا يعكس فجوة كبيرة بين قيمة التراث ووعي المجتمع بها ويؤكد الحاجة إلى تدخل عاجل.
* عند تحديد الإجراءات الأكثر استعجالا جاءت حماية المعالم ومنع التشويه في الصدارة بنسبة 52.9% تلتها المبادرات البيئية بنسبة 23.5% بينما اعتبرت حملات التوعية ودعم الحرفيين والتوثيق أقل إلحاحا (بين 5.9% و8.8%). هذا يبرز أن الأولوية القصوى هي الحماية المادية المباشرة للمعالم.
* في خصوص المشاركة في المبادرات أبدى 44.1% استعدادا للعمل الميداني و41.2% اهتماما بالتوثيق عبر التصوير والكتابة، فيما اختار 26.5% النشر والتوعية و11.8% التنظيم وجمع الناس بينما صرّح 17.6% بعدم الاستعداد حاليا. هذا يوضح أن المشاركة العملية والتوثيق هما المجالان الأكثر جذبا.
وكخلاصة يعكس الاستبيان مصداقية محلية قوية مع امتداد وطني ودولي، ويكشف أن الأولويات تتمثل في حماية المعمار والبيئة، فيما تعد التهديدات الأساسية العمران العشوائي والتلوث وضعف الوعي.
الوعي المجتمعي بالتراث ضعيف جدا ويحتاج إلى تدخل عاجل، والإجراءات المستعجلة تتركز على حماية المعالم ماديا. أما المشاركة، فهي متجهة أساسا نحو العمل الميداني والتوثيق وهو ما يفتح المجال لبناء مبادرات عملية تجمع بين الحماية المباشرة والتوثيق المستدام.
الحلول المقترحة
تتكامل في رؤية شاملة لحماية تراث جربة:
* حملات توعية شاملة تستهدف المدارس والإعلام المحلي مع إشراك البلديات والناشئة والخطاب الديني عبر معارض وندوات ومسرح الشارع وجداريات فنية ومحتوى قصير للأئمة إضافة إلى حملات إعلامية وفيديوهات قصيرة توثق التحولات وشهادات كبار السن لتثبيت الذاكرة الجماعية.
* قوانين صارمة تفرض عقوبات بالسجن والغرامات وسحب الرخص ومنع بيع الأراضي للأجانب والبنايات العالية مع إلزام الطلاء بالأزرق والأبيض وإنشاء كراس شروط للمهندسين والمقاولين وفرض ضريبة على المباني المخالفة.
* التوثيق الرقمي عبر تصوير المعالم وإنشاء دليل ذكي وخرائط رقمية وتقارير دورية لليونسكو، إلى جانب إنتاج وثائقيات ومعارض للتوعية بالخطر.
كما اقترح المشاركون تكثيف المبادرات البيئية مثل النظافة الأسبوعية وفرق التدخل السريع ونظام المواطن الشريك مع فرز النفايات وجوائز تحفيزية وزيادة المناطق الخضراء وربط الرخص بمعايير بيئية صارمة.
* التركيز على الطفل عبر إدراج حصص النظافة في برامج التعليم والتربية وتدريب المعلمين وتنظيم مسابقات وتكريم الأطفال الملتزمين.
* اعتماد تنظيم عمراني يمنع البناءات العشوائية ويحافظ على خصوصيات الجزيرة ويطور مواد بناء مستدامة لترميم المباني القديمة.
* دعم الحرفيين عبر التكوين والأسواق المحلية والدولية.
* إشراك المجتمع المدني والجالية بالخارج في مشاريع الحماية.
يظهر الاستبيان أن تراث جربة يواجه تحديات جدية أبرزها العمران العشوائي والتلوث وضعف الوعي، في مقابل أولويات واضحة تتمثل في حماية المعمار والبيئة. النتائج تكشف عن ارتباط محلي قوي بالتراث مع امتداد وطني ودولي، لكنها تؤكد الحاجة إلى تدخل عاجل. المشاركة العملية والتوثيق برزا كأكثر مجالات الجذب وهو ما يفتح المجال لمبادرات عملية تجمع بين الحماية المباشرة والتوثيق المستدام. الحلول المقترحة تتكامل في رؤية قصيرة المدى (النظافة، التوثيق، التدخل السريع) وطويلة المدى (القوانين، التعليم، التنظيم العمراني)، تجعل من الوعي المجتمعي والنظافة أساس حماية الهوية الثقافية.



تعليقات