
المنسيون
- Habib ouja
- 9 يناير
- 2 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 10 يناير
يمرّ بعض الناس أمام أعيننا كل يوم دون أن نلتفت إليهم، كأنهم خارج المشهد الاجتماعي، رغم أن حضورهم يترك أثرا عميقا في نفوس من يملكون حسّا إنسانيا. إنهم أولئك الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية، يعيشون وضعا صعبا، يطوفون بين الشوارع والمحلات، ويكابدون صمتا قاسيا لا يقطعه سوى نظرات عابرة أو كلمات مشفقة.
وعندما يغيبون نشعر بالفراغ الذي يخلّفه غيابهم، وندرك أنهم كانوا جزء من نسيج الحياة اليومية، لكنهم لم يجدوا العناية التي تحفظ لهم كرامتهم.
بعيدا عن العاصمة وصفاقس، في الجهات البعيدة عن مراكز العلاج، تتضاعف معاناتهم إذ تغيب المؤسسات المختصة، وتبقى الأسر وحدها في مواجهة واقع يفوق قدرتها على الاحتمال. كثير من العائلات ضاقت بها السبل، بين صعوبة السيطرة على أبنائها وجهلها بطرق التعامل معهم، في ظل غياب التوجيه والدعم الرسمي. حتى بعض الجمعيات التي اهتمت بهذه الفئة وسخّرت جهودها للعناية ببعض عناصرها لم تجد أي مساندة من الجهات المسؤولة، مما جعل المهمة أثقل على كاهلها.
تزايد أعدادهم يكشف عن أزمة اجتماعية واقتصادية ونفسية متشابكة، ويضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية كبرى. هؤلاء ليسوا مجرد "مجانين" كما يقال في لغة الشارع، بل هم بشر يحملون قصصا مؤلمة، ويجسدون هشاشة النظام الاجتماعي حين يترك أضعف أفراده بلا سند. إنهم جرح غائر مفتوح في جسد المجتمع، يذكّرنا بأن الإنسانية لا تقاس بما نملكه، بل بما نقدّمه لمن لا يملكون شيئا.
وإن كانت الصورة قاتمة، فإن ذاكرة أهالي حومة السوق ما زالت تحفظ بعض الوجوه التي أضفت طرافة على المشهد اليومي رغم كل شيء، كأنها جزء من نكهة المكان. وهناك من بقيت إنسانيته حيّة، يتفهم وضع هذه الفئة ويعاملها برفق، بل يسعى لتلبية حاجاتها مهما كانت مفرطة ومتكررة. هذا ما أعاينه يوميا في مقهى جربة بمفترق الشراع، حيث يحرص العاملون على حسن معاملتهم، ويبرز بينهم النادل عادل عجالة (المطماطي) الذي يجسد بفعله البسيط قيمة التضامن الإنساني في أبهى صورها.
تعليقات