top of page
التصوف الطرقي بين الروح والسلطة في تونس والمغرب العربي

التصوف الطرقي بين الروح والسلطة في تونس والمغرب العربي

6 أكتوبر
2 دقيقة قراءة

يأتي كتاب الإسلام الصوفي للباحثة والمؤرخة التونسية لطيفة الأخضر ليقدّم قراءة معمّقة في تاريخ التصوف الطرقي بالمغرب العربي من خلال ابراز  أبعاده الروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. 

الكتاب لا يكتفي بوصف الظاهرة الصوفية، بل يسعى إلى تحليل دور الطرق والزوايا باعتبارها مؤسسات متعددة الوظائف، فرضت نفسها في فترات ضعف الدولة المركزية كسلطة بديلة، وحافظت على الهوية الجماعية، قبل أن تخضع لإعادة تشكيل تحت الاستعمار.

يبيًن الكتاب أنّ التصوف الطرقي لم يكن مجرّد ممارسة روحية فردية بل تحوّل إلى تنظيم جماعي عبر الطرق والزوايا التي مثّلت سلطة روحية واجتماعية بديلة زمن ضعف الدولة المركزية. فقد جمعت هذه الزوايا بين العبادة والتعليم وحماية الهوية، واستقطبت آلاف المتعلمين لتكون بديلا عن المدارس الرسمية، كما نظّمت طقوسا جماعية مثل "الزردة" التي ربطت بين المواسم الزراعية والروح الشعبية، فتحوّلت إلى مناسبات اقتصادية واجتماعية كبرى.ومع مرور الزمن أصبحت بعض الزوايا مؤسسات ذات مصالح خاصة، إذ راكم المشايخ والعائلات الكبرى ثروات عبر الأوقاف والصدقات فأصبحت جزء من شبكة السلطة والثراء. وفي السياق السياسي فقدت الطرق استقلالها مع دخول الاستعمار، واصطفت وراءه فلم تشارك في المقاومة الأولى، الأمر الذي دفع النخبة الوطنية في العشرينات إلى محاربتها باعتبارها تمثّل المجتمع التقليدي في مواجهة المجتمع الحضري المتحوّل. ومع الثلاثينات، هيمنت الحركة الوطنية على المجتمع فبدأ اندثار الطرق كتنظيم اجتماعي وديني، وإن بقي أثرها الرمزي حاضرا. وقد تعامل الاستعمار مع الزوايا بسياسة مزدوجة تقوم على الإخواء أي الاحتواء والاستمالة عبر مراقبة مواردها وإدماجها في النظام، وعلى الحصار بتقييد نشاطها للحدّ من تأثيرها الاجتماعي والسياسي. ورغم ذلك، ظلّت بعض الزوايا مثل زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني مراكز رمزية لحماية التماسك الاجتماعي، دون أن تتحوّل إلى تنظيم مقاوم فعلي.

اقتصاديا، يكشف الكتاب عن موارد ضخمة للطرق الكبرى مثل "القادرية" و"التيجانية" و"الرحمانية" حيث اعتمدت على أحباس ثابتة ومداخيل من زيارات وصدقات، غير أنّ غياب الشفافية سمح بتراكم الثروات لدى المشايخ وتحولهم إلى طبقة نافذة. 

علميا وفكريا يقدّم الكتاب رؤية منسجمة مع ما طرحه ابن خلدون في القرن الرابع عشر، حين اعتبر أنّ التصوف بدأ زهدا فرديا ثم تحوّل إلى تنظيم جماعي له وظائف اجتماعية واقتصادية، وهو ما يؤكّد تحليل الباحثة حول دور الطرق والزوايا في حماية الهوية وتنظيم المجتمع.

وهكذا يخلص الكتاب إلى أنّ التصوف الطرقي في تونس والمغرب العربي قد مثّل قوّة روحية واجتماعية وسياسية واقتصادية، ومؤسسة متعددة الوظائف لعبت دورا في حماية الهوية وتنظيم المجتمع، غير أنّه خضع لإعادة تشكيل تحت الاستعمار، لتبقى آثاره الرمزية والفكرية جزء من الذاكرة الجماعية.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page